الخميس، 19 تشرين1/أكتوير 2017

board

هل الموت الدماغي يعتبر موتاً حقيقياً؟!

بين حين وآخر يردّد في بعض وسائل الإعلام الحديث عن الحالات التي توصف بأنها (موت دماغي) ، ويربط الحديث بينها وبين تكاليف العناية المكثفة لتلك الحالات، وفي بعض الصحف الصادرة في الخرطوم قبل يومين ورد الحديث في ذات القضية،

وكنت قد أشرفت على رسالة ماجستير حصلت على تقدير ممتاز مرتفع عنوانها : (تخريج المسائل الطبية على القواعد الفقهية) بقسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالقصيم للباحث الأخ محمد بن مفتاح الفهمي وحيث تضمّنت الرسالة في مسائلها هذه المسألة رأيت أن يتعرّف القارئ على بعض ما يتعلق بها مع إضافات مهمة أضفتها عليها.
 وأرى أن مسألة نزع الأجهزة لها ارتباط بمسألة يجب أن تحرّر أولاً وهي : هل الموت الدماغي يعتبر موتاً حقيقياً أم لا؟! فإن من المهمات التفريق بين الموت الدماغي، والحياة النباتية، والإغماء، ثم تحرير مصطلح الموت الدماغي إذ يتكوّن الدماغ من : (المخ والمخيخ وجذع المخ).
 وقد اتفق الفقهاء والأطباء على أن الغيبوبة وتوقف الدماغ ليس موتاً فحالات الغيبوبة المؤقتة مهما طالت والإغماء الطويل أو السبات العميق (أي غياب الوعي مهما طال الزمن) وكذلك السكتة الدماغية وهي خلل مفاجئ في تدفق الدم في جزء من الدماغ) فلا تعتبر موتاً.
والحياة النباتية : من تلف فيه المخ أو المخيخ أو المخ والمخيخ جميعاً، فإن قلبه ينبض، ويتنفس دون أجهزة، لكنه في غيبوبة عميقة لا يشعر بشيء، ويعيش بالتغذية الطبية بإدخال الغذاء (وهو يشبه السائل) من خلال أنبوب إلى المعدة بنسب متوازنة، وهو بحاجة أيضًا إلى العناية الطبية المستمرة بالجِلْد، وتقليب الجسد، وتغيير أوضاعه كل ساعتين تقريبًا لمنع قرح الفراش.والذي يعيش حياة نباتية يأخذ عند الأطباء جميع الحقوق الطبية للحي ، ولا يجوز إهماله، ولا أخذ الأعضاء منه. ومع ذلك فإن هذه الحالات لها معاناتها الشديدة اجتماعيًا على أهل المصاب، والفريق الطبي المعالج، وكذلك الكلفة المادية في المستشفيات.
والدماغ يتكون من المخ : ووظيفته تتعلق بالتفكير والذاكرة والإحساس . والمخيخ : ووظيفته تتعلق بتوازن الجسم . وجذع المخ : وهو أهم هذه الأجزاء ووظائفه وظائف أساسية ففيه المراكز الأساسية للحياة مثل مراكز التنفس والتحكم في القلب والدورة الدموية .
وإن المخ إذا أصيب لا يعني هذا حصول الموت لأن وظيفة المخ تتعلق بالذاكرة والإحساس والتفكير فيفوت عليه التفكير والإحساس وتفوت عليه الذاكرة فيحي كما يسميها الأطباء حياة جسدية نباتية، يتغذى ويتنفس وقلبه ينبض، ويمكث على هذه الحال سنوات، وقد وجد من المرضى من مكث عشر سنوات لأن جذع المخ الذي يتحكم في التنفس ونبضات القلب والدورة الدموية لا يزال حيا، لكنه فقد وعيه الكامل. وكذلك المخيخ لو مات فإنه يفقد توازن الجسم ولا أثر له في موت الإنسان، فالأطباء يقولون : إذا مات المخ أو المخيخ أمكن للإنسان أن يحيى حياة غير عادية يعني حياة نباتية جسدية فيفقد وعيه الكامل لكنه لا يزال يتنفس وقلبه ينبض ويتغذى .
أما جذع المخ فعند أكثر الأطباء يحصل الموت إذا أصيب جذع المخ فهذه علامة من علامات الموت عند الأطباء، وبعض الأطباء يخالف في ذلك، والغالب أن موته أو إصابته تكون بسبب الحوادث؛ حوادث السيارات أو القطارات أو الطائرات وما يحصل فيها من الارتطامات والاصطدام الذي يحصل في هذا الجزء من الدماغ . وكذلك من أسباب موت جذع المخ؛ النزيف الداخلي .
والخطأ في تشخيص موت الدماغ يكون عن احتمال الخطأ في التشخيص، فالخطأ في التشخيص وارد وواقع؛ فمنه ما يحصل بسبب الغفلة، أو النسيان، أو الإهمال؛ وهذا كله وارد على بني البشر، ولا يمكن نفيه، يقول بعض الأطباء : " من صور التفريط التي شاهدتها بنفسي أن الذي أجرى الفحص السريري طبيب واحد، ثم استدعى الطبيب الآخر فجاء ووقع معه دون أن يفحص المريض، مع أن من شروط تشخيص موت الدماغ عالميًا أن يقوم بالتشخيص طبيبان مختصان على الأقل".
ويقول بعض الأطباء : إن الخطأ في تشخيص موت الدماغ وارد، وأن دلالة التشخيص ظنية حيث يقول: "إن الاختبارات التي تجرى للكشف عن وظائف المخ ليست قطعية الدلالة".
وقال بعض المختصين: " والعيب الثاني في هذا التعريف يتعلق باستحالة اختبار جميع وظائف كل المخ، وحتى إذا اكتفينا كما تنص التوجيهات بتلك الوظائف التي يمكن قياسها فإنه من الواضح أن معظم أنشطة المخ لا يمكن اختبارها في الظروف الإكلينيكية". وقد اختلف العلماء في هذه المسألة والقول الذي يظهر رجحانه أنه : لا يعد الإنسان ميتًا بمجرد موت دماغه، بل لا بد من توقف التنفس والقلب عن النبض، وإن موت دماغ الشخص دون قلبه لا يعد موتاً بل لا بد من توقف القلب عن النبض حتى يحكم بموت الإنسان. وقد صدر بذلك القرار من الجهات العلمية التالية : 1 - مجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي. 2 - قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية. 3 - دار الإفتاء المصرية. 4 - لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية. وهو قول جمع كبير من أهل العلم والباحثين.
وذلك لأن اليقين فيمن أصيب دماغه بالتلف هو الحياة؛ لأن قلبه لا يزال ينبض، ونفسه يتردد، وموت دماغه هو شك في حصول الموت، وهذا الشك لا يقوى على رفع اليقين وحينئذ فإن الواجب البقاء على اليقين الموجب للحكم بحياته.
ومما استدلوا به أن الأصل هو الحياة، ولكي ننتقل عن هذا الأصل لا بد من وجود المغير عنه، وعند الشك والاختلاف نبقى على ما كان قبلهما. وهذا تخريج على قاعدة: ( اليقين لا يزول بالشك) وقاعدة : (الأصل بقاء ما كان على ما كان) .ونوقش: بأنه وجد ما يغير هذا الأصل. ويمكن أن يجاب عن المناقشة: بأن هذا المغير غير كاف؛ لأن الخلاف موجود فنبقى على ما كان قبله. ومن النظر قالوا : إن حفظ النفس يعتبر من مقاصد الشريعة الإسلامية التي بلغت مرتبة الضروريات التي تجب المحافظة عليها، ولا شك أن الحكم باعتبار المريض في هذه الحالة حياً فيه محافظة على النفس وذلك يتفق مع هذا المقصد العظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية والعكس بالعكس.
 وقال البعض إنه يعد ميتًا، وإن لم يتوقف تنفسه وقلبه عن النبض، وذلك أن الحياة تنتهي إذا صار الجسد عاجزًا عن خدمة الروح، والانفعال لها، وهذا متحقق في موت الدماغ، فإن الأعضاء لا تستجيب للروح، وظهور آثارها عليها من الحس، والحركة الإرادية وما قد يوجد في بعض الحالات من ظهور الحركة عليها، فإنما هي حركة اضطرارية لا علاقة بها بالروح، وليست ناشئة عنها.
ونوقش : أن الحس والحركة الاختيارية ما زالت باقية في بدن الميت دماغيًا، بدليل أن أعضاءه تقوم بوظائفها كالقلب، والكبد، والكلى، والنخاع الشوكي، والدورة الدموية، وربما تعرق جسده، ومن كان هذا حاله لا يمكن أن يوصف بأنه فاقد للحس، والحركة الاختيارية، ومن ثَم وصفه بالموت.
والذي يترجّح أن المسألة تُخَرَّج على قاعدة: ( اليقين لا يزول بالشك)؛ لما تقدم من أوجه تخريجها على هذه القاعدة، ولأن في الحكم على أن حياته كالعدم، خطورة كبيرة؛ لما يترتب على ذلك من آثار، كالتبرع بأعضائه عند من يرى ذلك ، ورفع أجهزة الإنعاش عنه ونحو ذلك، وقد يكون الحكم بأن حياته أصبحت كالعدم مبنية على تشخيص خاطئ، فما دام أن لنا أصلاً وهو بقاء الحياة، فلا ننتقل عنه إلا بأصل خصوصًا في مثل هذه المسألة التي هي إثبات حكم وفاة عن شخص ثبوت حياته يقينياً. هذا هو الراجح بحسب البحوث العلمية التي صدرت حتى الآن، وعليه فالواجب التحرز في مثل هذه القضية، والواجب الصبر على حالات الموت الدماغي طالما أن القلب لا يزال يعمل، والصبر في ذلك واجب سواء من جهة التكاليف التي تتعلق بالجهد أو المال (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) .. والله أعلم ..

الأعمدة

د. حسن التجاني

الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017

خالد كسلا

الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017

إسحق فضل الله

الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017

الصادق الرزيقي

الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017

د. حسن التجاني

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

خالد كسلا

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

بابكر سلك

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

إسحق فضل الله

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017