الثلاثاء، 12 كانون1/ديسمبر 2017

board

(بلدنا فيها رجال)

في مطلع هذا المقال, فإني بكل سرور وفرح أسجّل صوت شكر عالٍ أصالة عن نفسي ونيابة عن غيري من أهل هذا المجتمع العظيم لشرطة ولاية الخرطوم بأجهزتها وإداراتها المتنوّعة .. على الجهود الكبيرة التي تبذل في بسط الأمن،

وفي التضييق وملاحقة المجرمين عموماً ومروجي المخدرات خصوصاً ، ولي وقفة لاحقة فيها الإسهاب في التعبير عن الغبطة لما تبذله الشرطة في هذا المجال، فقد أثلجت صدورنا الحملات الأخيرة التي تقوم بها الشرطة في هذه الأيام في شارع النيل وفي غيره من المناطق والتي ظهر أنها من المواضع التي تستغل لترويج هذا السرطان المهلك .. ونتمنى أن تستمر هذه الحملات لإنقاذ ضحايا المخدرات في بلدنا، وقد سرّني جداً خبر في العناوين الرئيسة لإحدى الصحف الصادرة صباح أمس فيه تصريح سعادة مدير شرطة ولاية الخرطوم باستمرار حملات التفتيش بشارع النيل، وحقّاً ؛ (بلدنا فيها رجال) يثلجون الصدور بتفانيهم وبذلهم، جزاهم الله خير ما يجزي به (مفتاح خير مغلاق شر) عن بلده وأهله .. وإن الواجب يحتّم على كل مخلص أن يتعاون مع هؤلاء الرجال لمساعدتهم في مهمتهم النبيلة، وهذا شرف عظيم يوفق الله تعالى إليه من يختصهم من عباده ..
لقد قد دقّ جرس الإنذار في مجتمعنا بانتشار (الخنجر المسموم) (الطاعون المهلك) وخرجت التقارير الرسمية التي تفيد بانتشار المخدرات في الجامعات ودور التعليم بل كان لبعض الفتيات والطالبات نصيبٌ من ذلك .. تدارُ عملية ترويج المخدرات عبر شبكات تعلم واجبها وهدفها وتتقن وسائلها وتجتهد لتنفيذ جرائمها، ويساعدهم في ذلك تفريط بعض الأُسر وعدم قيامها بالدور الواجب عليها في تربية أبنائها وفتياتها، والواقع يشهد ببُعد كثير من الآباء عن متابعة أبنائهم، وغفلتهم عن إدراكهم للدور المنوط بهم .. وهذا يجتمع مع تفريط يلبس بثوب العفوية والثقة الزائدة وحسن الظن الذي يجب أن يكون معه يقظة وتنبه، ومما يساعد في ترويج المخدرات وزيادة أعداد المصطادين في شباكها ضعف عناية كثير من دور التربية والتعليم في مدارس التعليم العام في مرحلتي الأساس والثانوي ضعف عنايتهم بالتحذير من المخدرات وكشف السبل الموصلة إليها وتوضيح أضرارها، وقد يتحدث كثير من المدرسين والمدرسات في قضايا عديدة إلا أن هذا الجانب يغفلون عنه وقد يكون بعضهم ليس له من التصور والمعرفة بأبعاده وسعة انتشاره في مجتمعنا ما يجعله محل عناية عنده .. ونحن في زمان تأثير وسائل الإعلام وخاصة القنوات الفضائية التي لا يغفل دورها في زماننا هذا في سرعة نشر المعلومات وتشكيل القناعات، ومع ذلك فالعناية ضعيفة فيما يتعلق بالتوعية في هذا الجانب والجهود المبذولة فيه لا تتناسب وحجم الكارثة والمصيبة التي تجتاح مجتمعنا ، فـــ(البنقو) أصبحت رائحته تُشم في كثير من الأحياء في ساعات متفاوتة من النهار والليل، وشباب في الخامسة عشرة من عمرهم وقعوا في إدمانه، وطلاب بالعشرات يرتادون مستشفيات معالجة الإدمان، وعند النظر إليهم يستغرب من صغر سنهم وغفلتهم ويتأسى على أسرهم التي تعبت فيهم من جهة وفرّطت بجهة أخرى، ومع ذلك فبعض وسائل الإعلام همها الإثارة وجذب المشاهدين وأحياناً يستضاف فيها الدّجّالون والمشعوذون والمفترون على الله وشرعه الكذب، ومادة كثير من هذه القنوات الرئيسة هي الغناء والطرب وجمع المغنين والمغنيات وتشجيعهم على الفن الذي يدعى فيه للصلات المحرّمة وهو كما وصفه أئمة الإسلام : (بريد الزنا) ، والداعي للشهوات بأنواعها، والصاد عن كتاب الله تعالى، وكتاب الله من أعظم ما يعصم الله به عبده وأمته من المحرمات ومنها المخدرات.
إن تضييع الأمانة؛ أمانة الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وهذه هي الضرورات الخمس لهو أمر خطير، ومؤسف أن تضييع كل هذه الأنواع من الضرورات أصبحنا نطلع عليه في الصحف بين وقت وآخر، وقد ينشغل محللون ويكتب كتّاب ويستضاف في برامج متحدثون، وتكلّف جهات بإعداد تحليل وتقريرات .. وهؤلاء وغيرهم يجب عليهم أن يدركوا أن حل كل هذه الإشكالات في : (إصلاح المعتقد) بغرس العقيدة الصحيحة وتنحية العقائد الباطلة وتقوية الإيمان وتربية الناس - كباراً وصغاراً - عليه.
لقد اهتم  النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالدعوة إلى أساس هذا الدين والتربية على ركنه الأعظم : التوحيد والإيمان بالله .. فدعا إلى التمسك بالمعتقد السليم والاستقامة عليه وحذر من الشرك بكل صوره وأنواعه كبيره وصغيره، وهذا ما اتفق عليه كل الأنبياء ..فحذر عليه الصلاة والسلام هذه الأمة من الوقوع في الإشراك بالله تعالى ونهى عن اتخاذ آلهة أو أنداد مع الله سبحانه وتعالى،
فقد اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بالعقيدة والتوحيد وتصحيح المعتقد لأن الإنسان لا يفلح إلا إذا كان إيمانه صحيحاً ومعتقده سليماً وهذا ما كان يُكثِر من توضيحه وبيانه حتى إنه على فراش الموت يحذر من الضلال والانحراف فيه . ويحث على تقوية الإيمان لأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب، ولن يستقيم الناس على الجادة والصواب إلا إذا كانت قلوبهم سليمة وإيمانهم قويماً. وإن الفساد في العقيدة هو أصل كل فساد !! فأساس الصلاح والإصلاح : صحة المعتقد وتحقيق الخوف من الله وتعظيمه والإيمان بأسمائه وصفاته وربوبيته ومُلكِه لهذا الكون، وعبادته وحده لا شريك له، والخوف من أليم عقابه والرجاء لحسن جزائه، وبمراقبته سبحانه، والخوف من المصير في الآخرة وهذا وازع مهم في الحدّ من الجريمة والإفساد في الأرض وهو ما يعرف بــ (الرقابة الذاتية) ولو أقلع متعاطي ومدمن المخدرات لما وجد المروّج سوقاً !!!.. فإن صدقنا في أنا ننشد العلاج الناجع فلنجتهد في تربية أنفسنا ومن حولنا على مراقبة الله تعالى والخوف منه واليقين بأنه يطلع علينا ولا تخفى عليه منا خافية (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله) (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) (أحصاه الله ونسوه) (يعلم السر وأخفى) فسبحان من وسع سمعه الأصوات ولا تخفى عليه من خلقه الخفيات ..

الأعمدة