الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

board

تعليق على تقرير (الدجل والشعوذة اللعب بعقول البشر)

نشكر لصحيفة (الإنتباهة) عنايتها بقضايا المجتمع وتفاعلها معها والسعي في التوعية عبر النشر القائم على المعلومات الصحيحة الثابتة وعلى التحليلات السليمة، نشكرهم لتحريهم المشهود في إفادة الرأي العام والقراء بالمعلومات الممحّصة الدقيقة،

في وقت تساهلت فيه بعض وسائل الإعلام في أمر التحري والاجتهاد في التأكد من صحة ما ينشر .وقد أعجبني جداً التقرير الذي نشر قبل أمس بهذه الصحيفة بعنوان : (الدجل والشعوذة اللعب بعقول البشر) وقد جمع التقرير بين التأصيل الشرعي وبيان مظاهر الشعوذة والدجل ، وبين الرجوع إلى إدارة شرطة أمن المجتمع باعتبارها من الجهات الأساسية في العمل في حماية المجتمع في دينه ودنياه من أخطار ممارسة (الدجل والشعوذة). ومن باب المساهمة يأتي هذا المقال أداء لواجب البيان وتأكيداً للتوعية في هذه القضية والتي جاء هذا التقرير الموفّق للتوعية بشأنها والتنبيه عليها لتتضافر الجهود نحو المعالجة السريعة وحتى لا يبقى من يمشي بين أهل هذا المجتمع وهو يروج للدجل والشعوذة ، وحتى تختفي هذه الظاهرة ، وشكراً لصحيفة (الإنتباهة ) إبراز دور شرطة أمن المجتمع والتي وضعت القضاء على الدجل والشعوذة بكل مظاهرها ومنها (الزار) و(إدعاء قراءة الكف والفنجان ودق الرمل) و(تنزيل الأموال) و(السحر) من أهم أولوياتها ، فأقول : مؤسف جداً أن تجد (الكهانة والعرافة والدجل والشعوذة والسحر) .. سوقاً رائجة في مجتمعنا ومجتمعات أخرى كثيرة بل أصبحت الكهانة تمارس في بعض القنوات الفضائية في بعض البلدان وكثير من مواقع (الانترنت) ، يدفع فيها كثيرون وكثيرات أموالاً يعطونها لمن يدعون معرفة المغيبات ، ويتكهنون لهم بأخبار مستقبلية ، أو يعدونهم بأفعال معينة ، وللأسف فإن الدجالين والمشعوذين والكهان والسحرة لهم وجود في المجتمع وبكثرة ، يمارسون دجلهم وكذبهم على مرأى ومسمع من المجتمع بمختلف أطيافه. عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِي الله عَنْهُ قَالَ : (نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ) رواه البخاري وغيره. إن المال الذي يأخذه الكاهن ومن يدعي علم الغيب من : العرّاف والودّاعية وغيرهم هو من المكاسب المحرمة بإجماع علماء المسلمين، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي في شرح هذا الحديث في "فتح الباري شرح صحيح البخاري" : (الحكم الرابع حلوان الكاهن وهو حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاناه العرّافون من استطلاع الغيب والحلوان مصدر حلوته حلوانا إذا أعطيته وأصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث أنه يأخذه سهلا بلا كلفة ولا مشقة..). فالأمة مجمعة على أن المال الذي يأخذه الكهان والعرّافون ومن يدعون علم الغيب مال محرم ، وكسب خبيث ، ولنتدبر أن (حلوان الكاهن) ذكره النبي عليه الصلاة والسلام وقرنه مع (مهر البغي) وهو المال الذي يدفع للبغايا مقابل جريمة (الزنا) .. فهو كسب خبيث ، وقد روت أم المؤمنين عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فقالت : (كَانَ لأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ الْغُلاَمُ تَدْرِي مَا هَذَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَمَا هُوَ قَالَ : كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ إِلاَّ أَنِّي خَدَعْتُهُ فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ) رواه البخاري وغيره. وهو صنع عجيب يبين جانباً من جوانب الصدق في الصديق رضي الله عنه.قال ابن حجر العسقلاني : (والذي يظهر أن أبا بكر إنما قاء لما ثبت عنده من النهي عن حلوان الكاهن ، وحلوان الكاهن ما يأخذه على كهانته والكاهن من يخبر بما سيكون عن غير دليل شرعي وكان ذلك قد كثر في الجاهلية خصوصا قبل ظهور النبي صلى الله عليه و سلم). إن صور هذه الجريمة التي تمارس في مجتمعنا كثيرة جداً ، منها ضرب الرمل و(خت أو رمي الودع) و(التنجيم) وهو الاستدلال بالحوادث الكونية على الأحوال الأرضية ، فيقول من يوم كذا إلى يوم كذا أو ساعة كذا لا تفعلوا الأمر الفلاني أو افعلوه ، و(قراءة الفنجان) و(قراءة الكف) و(الأبراج) التي تتناقلها بعض الصحف .. ومما يفعله السحرة والدّجّالون أن يأتي الشخص – رجلاً كان أم امرأة - إليهم ويطلب منهم أن يفعلوا له أمراً محدداً ، كالإتيان بزوج ، أو رد الضالة ، أو الانتصار في المباراة ، وهزيمة الخصم ، أو الصرف أو العطف ، أو التعيين في منصب أو طلب التثبيت فيه ، والسحر دركٌ أشد سفلاً من درك الكهانة والعرافة ، فالكاهن يدعي المغيبات ويخبر بها ، والساحر يصنع السحر ، ينفث في العقد ويستعين بالجن فيمرض ويقتل ويفرق بين الأخ وأخيه والمرأة وزوجها بإذن الله وإرادته الكونية القدرية ، ولذلك كان حكم الساحر القتل مقابل إفساده وتدميره في المجتمع. إن من المؤسف جداً أن يوجد في مجتمعنا الكهان والدجالون ، يضحكون على عقول الناس ويأخذون أموال البسطاء والسذج ، يسطون على أموالهم بمكر وخداع ، فيطلبون الطلبات ممن يأتونهم ، بدءاً بالدجاجة والخروف إلى الذهب والمجوهرات ونفائس الأموال والعقارات كقطع الأراضي والفلل والعمارات !! يستغلون حاجتهم وجهلهم ويطلبون منهم أن يعطونهم أموالهم وهو ما يسمى بــ (البياض) ، والبياض (خشم بيوت) كما يقال !! ، فعلى حسب الزبائن وإمكانياتهم تكون (المَكْنَة) منهم ، فقد يكون البياض مائة جنيه وقد يكون خمسمائة !! وقد يكون قطعة أرض ، أو شقة ، أو سيارة ، وقد يكون عمارة !! والمؤسف حقاً أن يأتي إلى هؤلاء الدجالين أشخاصٌ لهم نصيب من العلم الدنيوي أو الشهادات الأكاديمية !! والوظائف الكبيرة !! وقد تأتيهم مؤسسات وشركات ومجالس إدارات !! وإدارات أندية !! وغيرهم .. يطلبون منهم معرفة المغيبات وإخبارهم بما سيكون !! وقد تكون حجة بعضهم : أن هذا الشيخ أخباره صحيحة ، وقد أخبر قبل هذا بالشيء الفلاني فوقع كما قال ، فهذا هو مبلغهم من العلم !! فتجدهم يصفونه بعبارات مثل (شيخ كارب أو فكي مكرّب) (فكي كلامو ما بجلي).. وغير ذلك. ولهؤلاء المساكين المغشوشين المخدوعين أسوق هذا الحديث :عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْكُهَّانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا بِالشَّىْءِ فَنَجِدُهُ حَقًّا قَالَ : (تِلْكَ الْكَلِمَةُ الْحَقُّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّىُّ فَيَقْذِفُهَا فِى أُذُنِ وَلِيِّهِ وَيَزِيدُ فِيهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ) رواه مسلم ، فهذا خبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام وفيه أن الجني يجتهد لأن يسترق السمع قبل أن يتبعه الشهاب الثاقب ، فيخطف الكلمة ثم يلقيها على قرينه الدجال العرّاف فيكذب معها مائة كذبة ، وكثير الكذب هو الذي يوصف بالدجّال. ولم يستفد كثيرون ممن يدفعون أموالهم لهؤلاء الدجالين في نظرهم وتأملهم في أحوال الدجالين أنفسهم ، فكثيرون من المشعوذين والدجالين بهم من الفاقة والفقر ما هو مشاهد غير خفي ، وقد تكون الأمراض والأسقام المزمنة تصحبهم الأزمنة الطويلة ، فهم أشد حاجة من تغيير أحوال أنفسهم قبل أحوال من يأتونهم !! و(فاقد الشيء لا يعطيه) !! ، ولكن قلة البصيرة يعمى بسببه الكثيرون (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) ، ويزداد المصاب عندما يوجد في المجتمع من ينشر أن أشخاصاً من خلق الله تعالى يعلمون المغيبات ، فينشر المنثور والمنظوم . ولدى الجهات المختصة من الشكاوى والبلاغات في هذه الأمور ما يجعلها تدرك خطورتها والضرر الديني والدنيوي المترتب على هذا النوع من الإجرام ، فالضرر الديني واضح ومَن مِن الناس لم يسمع بالحديث الصحيح أن (من أتى كاهناً فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ..) والرواية الأخرى والتي معناها أنه إن أتاه إلا أنه لم يصدقه فإن عقوبته أن لا تقبل له صلاة أربعين يوماً.. والضرر الديني أيضاً يتضح في رد ما دل عليه كتاب الله تعالى في منطوقه الصريح ، وفي هذا خطر عظيم فقد قال الله تعالى : (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). لتتكاتف الجهود لتوعية مستمرة وتوجيه ونصح أمين حتى يختفي الدّجالون من أرضنا وحتى يسلم للناس دينهم ودنياهم ومالهم وصحتهم وعافيتهم .. وإنها لمسؤولية عظيمة. ونتمنى أن تحذو جميع وسائل الإعلام هذا الحذو ، وتركّز على هذه القضية ونحوها من القضايا التي تهم الفرد والمجتمع ، وتضعف بنشرها الإيجابي دور من يريد نشر الفساد في الأرض .. فإن هذا هو أهم أهداف وسائل الإعلام عند من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.