كتاب الرأي

د. عصام بطران

٢٥ مايو .. «فانتازيا الآيديولوجيات

من سنين القرن الماضي شأنهم في ذلك كمن يحملون اسم "جمال" و"ناصر" و "قذافي" ... و"نميري" يعد من حكام هذه البلاد الذين شاهدهم جيلان من الشباب في الفترة الزمنية لحكمه التي تجاوزت ١٦ عاما بقليل وهي فترة عاصرها بوضوح وصفاء ذهني مواليد الأعوام ١٩١٠م الى ١٩٧٠م وهم من تجاوز عمرهم خمسة عشر عاما عندما غادر "نميري" السلطة وكانوا لاهين ولاعبين داخل تنظيم "طلائع مايو الحرة" التي كانت تنتظم المدارس والساحات والأندية في ذلك الوقت ..  جاء "نميري" للحكم في ١٩٦٩موذلك بعد يومين من تعطيل دستور السودان المؤقت بواسطة الأحزاب والاتفاق فيما بين ان يكون الدستور الجديد اسلامياً أم جمهورياً او رئاسياً .. وفي ٢٥ مايو ١٩٦٩م تمكن العقيد "حينها" جعفر محمد نميري وثمانية ضباط آخرون ومدني واحد وهو بابكر عوض الله والذي أصبح فيما بعد رئيساً للوزراء تمكنوا من استلام السلطة عبر انقلاب عسكري .. أما الضباط فكانوا ينتمون للتيار اليساري "ناصريين أو شيوعيين" وبعثي واحد .. استمر "نميري" في الحكم لفترة تاريخية امتدت طيلة ستة عشر عاماً كان أبرز معالمها انتقال السلطة من حيث الالتزام الآيديولوجي من أقصى اليسار (الشيوعي) إلى أقصى اليمين (التيار الإسلامي) مروراً بفكرة الحزب الحاكم الواحد والمؤسس على النظام الاشتراكي (تحالف قوى الشعب العاملة) الاتحاد الاشتراكي السوداني .. وساد الجنوب فترة من الاستقرار الأمني والسياسي في الفترة من ١٩٧٢م الى ١٩٨٣م وذلك وفق اتفاقية "أديس أبابا" للسلام حيث انتهت الاتفاقية عندما اندلع التمرد مرة اخرى بجنوب السودان بزعامة "جون قرنق" ..كما عقد النظام ما يسمى بالمصالحة الوطنية بينه والجبهة الوطنية المعارضة بعد صراع على السلطة دام لفترة طويلة من الزمن, وكان ذلك  بعد اللقاء المباشر بين "نميري" و "الصادق المهدي" رئيس الجبهة الوطنية في يوليو ١٩٧٧م ببورتسودان, وقد شملت محادثات الصلح عدداً من النقاط حيث تم الاتفاق على سيادة الحريات المدنية وإطلاق سراح السجناء السياسيين وان تعاد ممتلكات الأحزاب إليها واتباع سياسة عدم الانحياز في السياسة الخارجية وتوسيع قاعدة العضوية في الاتحاد الاشتراكي السوداني وإعمار المناطق المدمرة بالجزيرة أبا وأن يتم تسليم جثة "الإمام الهادي" إلى عائلة المهدي .. وقبل الصادق المهدي التنازل عن عودة تعدد الأحزاب وتقبل سياسة دولة ذات حزب واحد .. في حكم نميري تم تطبيق سياسة الحكم الشعبي المحلي وتم إلغاء نظام الإدارة الأهلية الذي كان سائدا منذ قبل الاستقلال وأدخل فيما بعد نظام الحكم اللامركزي وتقسيم البلاد إلى عدة أقاليم .وايضا انتظمت البلاد عدد من مشاريع التنمية في البنية التحتية والصناعية. كما طبق النظام قوانين الشريعة الإسلامية في ١٩٨٣م والتي عرفت بقوانين سبتمبر . واجهت النظام "المايوي" العديد من محاولات الصراع على السلطة، ففي مارس ١٩٧٠م استطاع النظام أن يقمع حركة المعارضة والأنصار بصفة خاصة "أحداث الجزيرة أبا" .. وفي يوليو ١٩٧١م واجه النظام انقلابا عسكريا على السلطة بزعامة "هاشم العطا" وآخرين من عضوية الحزب الشيوعي السوداني ولكنها حكم عليها بالفشل بعد يومين سادتها أحداث دامية "مذبحة بيت الضيافة" وحكم بالإعدام على منفذيها إضافة إلى أحداث انتفاضة العصيان في شعبان ١٩٧٣م والمحاولة الانقلابية ١٩٧٥م والحركة الشعبية المسلحة في ١٩٧٦م والتي أطلق عليها النظام "أحداث المرتزقة" إلا ان منفذيها كانوا من أحزاب سياسية سودانية اتفقت على إزالة حكم "مايو" هي "الأمة والإخوان المسلمون" انطلقوا لغزو الخرطوم بواسطة قوات حزبية مدربة عسكريا في الأراضي الليبية .. وقد واجه النظام "المايوي" أكبر حركة تمرد عسكري في ١٩٨٣م بجنوب السودان نتيجة إلغاء اتفاقية الحكم الذاتي وإعادة جنوب السودان لنظام الأقاليم الثلاثة, وقد كان انفصال جنوب السودان احدى ثمار ذلك التمرد بزعامة العقيد "جون قرنق" .. الذي انضم اليه فيما بعد أعداد من جبال النوبة والأنقسنا وبعض الشماليين, وذلك بتأسيسه الحركة الشعبية لتحرير السودان كجناح سياسي للجيش الشعبي .. نتيجة لتطورات الاقتصاد السوداني دخلت البلاد في صعوبات مالية قاسية وانفجرت مظاهرات واسعة في معظم المدن الشمالية خلال عام ١٩٨٢م، وفي عام ١٩٨٣م دخلت قطاعات من المحامين والقضاة في إضرابات متوالية عن العمل. ففي عام ١٩٨٤م دخل الأطباء في إضراب طويل عن العمل وفي نفس الوقت قامت عدد من نقابات المهنيين بتجميع أنفسها في تحالف من القوى النقابية. ويمكن القول ان جميع القوى السياسية تقريباً قد شاركت في دعم وتأييد الحكم المايوي في فترة أو أخرى من سنواته الطويلة وفي النهاية تحركت كل هذه القوى للمشاركة في إسقاط "نميري" وحينها كان الرئيس آنذاك "جعفر محمد نميري" في زيارته الشهيرة في أوائل مارس ١٩٨٥م إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث اندلعت أحداث الإضراب السياسي العام والعصيان المدني الذي نظمته النقابات والهيئات والأحزاب المعارضة حيث تم تنفيذه في ٣ أبريل ١٩٨٥م ..ودخل السودان في عزلة خارجية نتيجة قفل الأجواء أمام الملاحة الجوية وفوضى داخلية نتيجة التظاهرات والشلل التام في الخدمات وموجة الاعتقالات السياسية التي طالت جماعة التيار الإسلامي المشاركة في السلطة، حيث بلغ عدد المعتقلين من قيادات الصف الأول بزعامة د. الترابي ومائتين آخرين. وفي ١٨ يناير ١٩٨٥م شنق محمود محمد طه من "الجمهوريين" .. وفي عصف تلك الأحداث وتأزم الموقف اتصل اللواء "عمر محمد الطيب" رئيس جهاز الأمن ونائب نميري الأول بالمشير/ سوار الذهب وزير الدفاع طالبا منه إعلان حالة الطوارئ في صفوف الجيش وإنزاله للشوارع للمحافظة على الأم,ن وبالفعل اجتمع سوار الذهب في القيادة العامة للجيش بكبار ضباطه لتدارس الأمر والنظر في طلب نائب نميري الأول .. وكان الإجماع الذي خرج به هذا الاجتماع الموسع والذي حضره تقريبا كل قادة الوحدات العسكرية بالعاصمة كان رافضا لطلب اللواء عمر محمد الطيب بإعلان حالة الطوارئ وكان القرار بعد مشاورات مضنية بين ضباط الجيش وقيادة الجيش انحياز القوات المسلحة إلى الانتفاضة الشعبية .. في صباح ٦ أبريل ١٩٨٥م ..وحين كانت طائرة الرئيس نميري تهبط بمطار القاهرة قادمة من واشنطون قابله مجموعة من ضباط الأمن المصري وتم اطلاعه على الأوضاع بالسودان حيث أقلته طائرة مروحية الى مقر إقامته التي حددتها السلطات المصرية وظل به الى حين عودته للسودان في العام ٢٠٠٠م .. يرقد الآن جسد "النميري" في الركن الجنوبي الشرقي لمقابر أحمد شرفي الذي انزله فيه "الدفان" الشهير "عابدين درمة" في يوم السبت الموافق ٣٠ مايو ٢٠٠٩م بعد صراع طويل مع المرض ويقول الناس ان ذلك "الشبر" الذي أودع فيه هو "الملك" الوحيد الذي يملكه "النميري" في أراضي السودان الشاسعة .. والذي يحسب له انه صاحب أكبر قرار "استراتيجي" أخلاقي في السودان هو قرار تطبيق الشريعة الإسلامية ومحاربة الرذيلة والخمور .. كما حملت مكتبة الإذاعة السودانية كثيرا من الأغاني التي خلدته مثل "أب عاج اخوي يا دراج المحن" .. "حبيب الشعب يا نميري" .. رحمه الله رحمة واسعة..

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search