كتاب الرأي

د. معتز صديق الحسن

هروب اضطراري

فلن يتقدمه بأي حال من الأحوال وينهي صلاته بأن يسلّم قبله.  >  فلم العجلة إذن طالما أنه لن تستطيع الخروج من الصلاة إلا بعد تسليم الإمام وبقدر ما تستعجل ففي خاتمة الأمر -وبالتحديد في الجلوس الأخير- فستنتظره حتى يسلّم ثم تسلّم من بعده. >  استحضرت هذه اللطيفة عند التأمل لحال المريض والطبيب حيث كان سابقاً المريض "المأموم" يلتزم حرفياً بتعليمات الطبيب "الإمام" لا يتقدم منها سباقاً أو يتأخر عنها تقصيراً. >  والشعار المرفوع منه في كل ذلك الالتزام الكامل بموعد الدواء وأنواع الأكل والشرب ولا يغادر المستشفى إلا بتوقيع من الدكتور المتابع لحالته واطمئنانه على صحته وسلامته. >  إلا أنه في الفترة الأخيرة وبالمعايشة لكثير من حالات هروب المرضى تجد أنهم يذهبون إليها اضطراراً ويهربون منها اضطراراً أيضاً وذلك لعدم وجود الاهتمام والمتابعة والعلاج والتردد النادر من الأطباء.  >  أو للأسف الأسيف وللحقيقة الغالبة والمؤكدة فقد يهربون منها بسبب الذي لو كان رجلاً لقتله الإمام علي بن إبي طالب رضي الله عنها وأراح الناس من همه وغمه ألا وهو داء الفقر. >  خاصة وأن نتائج الفحوصات وتقارير التشخيص من كبار الاختصاصيين في عياداتهم الخاصة تتطلب توفير الأموال الطائلة كما أن جل المستشفيات الحكومية منها والخاصة ترفع شعار (ادفع تُعالج). >  الأغرب فقد تدفع المبالغ الكبيرة فلا تجد منهم علاجاً مما يفتح الباب واسعاً للسعي لطلب العلاج خارج البلاد وهو أيضاً هروب اضطراري وكذلك الهجرة والاغتراب والعودة القسرية للمغتربين من بعض الدول فكل الخيارات أحلاها مر.  >  بالرجوع للفقر -أعاذنا الله وإياكم منه- ففي السابق ولضعف الحال كانت الناس تشكو من قلة الفئران في بيوتها أما الآن وبحسب الأوضاع المتأزمة عند الغالبية والتي كادت تبلغ الحلقوم ، فكأنما الفئران هي التي تشتكي من قلة الناس في جحورها.  >  ليبرز السؤال المرير هل ترك المستشفى من قبل هذه الحالات المرضية المتأخرة للسبب أعلاه –مع الإيمان والتسليم الكامل بقضاء الله وقدره- تهيئة للبيئة للشروع في الانتحار؟ وأن البيت وقتها بمثابة صالة المغادرة النهائية للحياة الدنيا؟ >  ان كان ذلك كذلك فأنا لا نطلب من القائمين على أمر الشأن الصحي بملاحقة "الجناة" من المرضى وإصدار أمر قبض لإجرامهم بحق أنفسهم بمغادرتهم بدون استلام تصريح يسمح بذلك.  >  وذلك لأن الأعداد المغادرة كبيرة ويصعب ملاحقتها وإن تم إنشاء وحدة شرطية -ذات عين ساهرة ويد أمينة- لملاحقة الفارين؛ محققة وملتزمة بمعادلة شرطي لكل مريض. >  لكن على الأقل ليتهم يحاسبون أنفسهم وفيم التقصير لدرجة هروب المرضى؟ فهل المستشفيات صارت مجرد سجون الداخل اليها مفقود والخارج منها مولود؟ أم أنهم أراحوا واستراحوا ويكفي أنهم وفروا اسّرة في صفوف الانتظار الطويلة؟ >  وإن كانوا أصحاب أمراض خطيرة تستوجب الرعاية لا الجباية والمتابعة لا المزايدة وتوفير العلاج المناسب لا غلاءه غير المناسب والحال هكذا فلا غرابة أن يسبق المأموم "المريض" ويغادر بدون اذن من الإمام "الطبيب".  >  لتصير الأدوار معكوسة ، فالإمام أضحى مأموماً والمأموم صار إماماً فأن سلم قبله ويكاد هذا يحدث عندنا فيكون وقتها علينا وعلى الدنيا السلام. هذا والحمد لله على كل حال. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search