كتاب الرأي

صديق البادي

رمضان وحكايات عن الصدقات الخفية

والنخوة والشهامة لا ترتبط بالقدرة المالية وحدها، إذ يوجد بعض متوسطي ومستوري الحال الذين يقدمون بسخاء وطيب نفس لمن هم أحوج منهم، ويوجد أثرياء اتسموا بالسخاء والعطاء بلا شوفونية ولا من أو أذى، وعلى النقيض منهم يوجد أثرياء بخلاء أيديهم قابضة ناشفة، وإذا قدموا فإنهم يفاخرون بما قدموا... وإن هناك حالات إنسانية كثيرة تقتضي المساعدة مثل الأيتام والعاجزين من كبار السن والمرضى والفقراء والمساكين...الخ، وإن بعض صناديق التكافل تمنح بعض الأسر الفقيرة مائة وخمسين جنيهاً في الشهر بواقع خمسة جنيهات في اليوم (قيمة خمس رغيفات)... وحتى قبل قيام ديوان الزكاة كان الكثيرون يخرجون الزكاة مع تقديم صدقات ومساعدات أخرى.عرف المجتمع السوداني منذ القدم بالتكافل داخل الأسرة الصغيرة والأسرة الكبيرة والدائرة الأوسع الممتدة. ودرج الكثيرون على تقديم الذي يفيض عن حاجتهم لمن هو في حاجة إليه. والنخوة والشهامة لا ترتبط بالقدرة المالية وحدها، إذ يوجد بعض متوسطي ومستوري الحال الذين يقدمون بسخاء وطيب نفس لمن هم أحوج منهم، ويوجد أثرياء اتسموا بالسخاء والعطاء بلا شوفونية ولا من أو أذى، وعلى النقيض منهم يوجد أثرياء بخلاء أيديهم قابضة ناشفة، وإذا قدموا فإنهم يفاخرون بما قدموا... وإن هناك حالات إنسانية كثيرة تقتضي المساعدة مثل الأيتام والعاجزين من كبار السن والمرضى والفقراء والمساكين...الخ، وإن بعض صناديق التكافل تمنح بعض الأسر الفقيرة مائة وخمسين جنيهاً في الشهر بواقع خمسة جنيهات في اليوم (قيمة خمس رغيفات)... وحتى قبل قيام ديوان الزكاة كان الكثيرون يخرجون الزكاة مع تقديم صدقات ومساعدات أخرى.وحدثت مجاعة في بعض أطراف السودان في عام 1984م المعروف بعام الجفاف والتصحر، وأتى نازحون كثيرون من مناطقهم، وقد هلك فيها الزرع والضرع، وتدفقت عليهم المساعدات المادية والعينية من الداخل والخارج، وفي عهد الرئيس الأمريكي ريغان أحضرت منح وكميات كبيرة من الدقيق والزيت والمواد التموينية التي وزعت على النازحين، وشمل تقديم المساعدات عبر لجان التموين مناطق ومدناً وقرى كثيرة لم تكن تعاني من مجاعة... وفي حالات كثيرة حدثت فيها مجاعات أو فجوات في الغلال من ذرة ودخن وغيرها هب الخيرون لتوزيع ما بمخازنهم أو مطاميرهم من ذرة مع طهى الطعام وتقديمه للغاشي والماشي، ومن هؤلاء النعيم ود حمد الذي مدحه الشاعر الغنائي بابا بقصيدة شهرة وهو يتحدث عن كرمه، وهناك أعداد كبيرة من هؤلاء الكرماء الأفاضل ولم يكن في مناطقهم مثل (بابا) ليعدد مآثرهم ويخلد ذكرهم الطيب، وأن بعض المحسنين تحدثت عنهم أعمالهم الخيرة التي تدل على سماحتهم وإنسانيتهم مثل المحسن عبد المنعم محمد... وشهدت كثير من خلاوي تعليم القرآن الكبيرة حضور محسنين يأتون في جنح الدجى ويفرغ المحسن منهم وهو ملثم شحنة لوري كامل محمل بالذرة المواد الغذائية، ويغادر المكان دون أن يعرف أحد من هو ومن أين جاء؟وهناك أعمال خير تجل عن الوصف جديرة بالتسجيل من أجل الاقتداء بهذه الأعمال الصالحة والنهج القويم، وتقديم العمل الطيب خالصاً لوجه الله سبحانه وتعالى بلا من أو أذى أو إشهار دون أن تدري اليد اليسرى ما قدمته اليد اليمنى... وفي سفر رحلة طويل جمعتني جلسات أنس لطيفة بأحد أبناء جنوب ولاية النيل الأبيض، وذكر أنه أكمل دراسته الثانوية في عام 1987م وحصل على شهادة سودانية تؤهله نسبتها العالية للالتحاق بجامعة الخرطوم، وتوفي والده فجأة بعد ظهور تلك النتيجة المشرفة، وحزن حزناً شديداً لفقد والده، وكان عاملاً بسيطاً ولم يترك لهم على حد قوله إلا (غنماية) واحدة وبضع دجاجات، وكان هو كبير الأسرة وله عدد من الإخوة والأخوات، وأخذ يعمل عامل يومية لتوفير الحد الأدنى الذي تحتاجه الأسرة الكبيرة، وذهب ذات يوم للمدينة الكبيرة التي تجاورها قريتهم، وعندما هم بالعودة وكان يحتاج لعشرة قروش (ريال واحد) ذهب لخال له هو أخو أمه لأبيها، وكان تاجراً كبيراً، وطلب منه على استحياء أن يعطيه عشرة قروش، وكانت تلك أول وآخر مرة يطلب فيها منه شيئاً، فرد عليه خاله في برود (الله كريم) وتعامل معه بجفاء كأي (شحاد) يحمل قرعة، وأصر منذ تلك اللحظة على ألا يطلب من أحد شيئاً، وعمل بقية يومه حمالاً بالسوق، إلى أن عاد لقريته وأسرته، وواصل عمله كعامل يومية. وفي سوق المدينة الكبيرة سمع أحد المواطنين يثني ثناءً عاطراً على محسن من شمال النيل الأبيض يقيم بالخرطوم ويمتلك شركة حاصدات، وهو من كبار الأثرياء، وفرّج له كربته وأخرجه من محنته دون سابق معرفة به،  وأضمر محدثي بعد سماعه لهذا الثناء على المحسن الكبير أن يذهب إليه ويطلب منه أن يجد له عملاً بشركته، وأخذ شهادته الثانوية وبقية الوثائق الثبوتية الأخرى، وكتب طلباً شرح فيه ظروف عائلته البالغة السوء وهو عمادها وعائلها، وذهب للرجل بمكتبه بشركته بالخرطوم، واستطاع مقابلته بكل سهولة ويسر، وأكرمه وتبسط معه في الأنس، وقال له: يا ولدي أنا أقدر ظروفك ولكن الراتب محدود في وظيفة تؤديها عندي أو  عند غيري، لن يكفي لإعاشتك في العاصمة وإعاشة أسرتك الكبيرة في القرية، وأخرج مبلغاً كبيراً من أحد أدراج مكتبه وطلب منه يعود لقريته ويسلمه لوالدته لتنفقه في غيابه على إخوانه وأخواته، ويودعهم ويعود إليه بعد ثلاثة أيام لتكملة إجراءات سفره للسعودية ليعمل بتوصية منه ويساعد أسرته، وتم كل هذا بسرعة، واشترط عليه ألّا يخبر أحداً باسمه وما قدمه لوجه الله سبحانه وتعالى. وذكر محدثي أن كل أشقائه تخرجوا في الجامعات وتزوجوا، وأن شقيقاته تعلمن وتزوجن، وأن والدته حجت واعتمرت عدة مرات، وأن خاله الذي أساء معاملته قد أصبح فقيراً مريضاً، وظل يرسل إليه مساعداته المالية وقيمة الدواء حتى رحل عن الدنيا، وأنه أقام أسرة مستقرة وله عدة بنات تزوجن وولدان على مشارف التخرج في الجامعة، وأن ما حدث لأسرتهم من استقرار يعود للمحسن الطيب يوسف الكريل بعد الله سبحانه وتعالى. إنني لم أقابل المرحوم الطيب الكريل في حياته رحمه الله ولا أعرفه معرفة شخصية ولم أشهده أو أسمعه أو أقرأ له في أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، ولكن أهله من قبيلة المحمدية الكواهلة يذكرونه بالخير، وقد أقام لهم مؤسسات تعليمية وصحية وأنار أربعاً وعشرين قرية مع اهتمامه بالمساجد وأياديه البيضاء كثيرة كما يرددون، ولكن قصة صاحبي التي أوردتها آنفاً استوقفتني ودعتني لألم بمعلومات للكتابة عنه. وأورد هنا مختصراً مفاده أنه ولد بقرية ود الكريل بمحلية القطينة بشمال النيل الأبيض، وأكمل دراسته الأولية والوسطى بحي العرب بأم درمان، وأكمل دراسته الثانوية بالمؤتمر، وقضى عاماً دراسياً طالباً للطب بالقاهرة، وقطع دراسته وعاد للسودان لأنه كان يفضل دراسة الاقتصاد على الطب، وعمل معلماً بالمدارس الوسطى لمدة عامين، والتحق بعد ذلك بجامعة أكسفورد وحصل على شهادة بكالريوس في الاقتصاد، وعمل بالسكة حديد لفترة قصيرة، وتفرغ بعد ذلك للعمل الخاص، وكان محل ثقة واحترام العاملين والمتعاملين معه في الداخل والخارج لتعامله الراقي معهم، وقدم أجل الخدمات للقطاع الزراعي في السودان، وكان يتملك شركة للحصادات الزراعية وغيرها من مستلزمات الزراعة، وكان من كبار الأثرياء ويجنب جزءاً كبيراً من الأرباح سنوياً لإنفاقه على المحتاجين والفقراء والمساكين، ومما يحكى عنه أن أحد المزارعين اشترى منه حاصدة بالتقسيط، وبعد أسبوع توفي وأعادها أهله إليه ليرجع لهم القسط الأول ويأخذ الحاصدة، ولما علم منهم أن المزارع المتوفي يعول أسرة كبيرة ممتدة فيها عدد من الأطفال، قال لهم لقد عفوت كل الأقساط وخذوا الحاصدة هدية مني، وبعد وفاته ظهرت أشياء كان يفعلها في الخفاء، منها على سبيل المثال أنه كان يدفع قيمة إيجار أربعة وعشرين منزلاً لأربع وعشرين أسرة  لسنوات طويلة، ومن بينهم خمسة من الأقباط كان يدفع لهم إيجار منازلهم، وثبت بعد وفاته أنه كان يدفع لإدارة عدد من الجامعات رسوماً دراسية كاملة لأكثر من مئة طالب جامعي، وهناك قبلهم آلاف دفع لهم في السنين الطويلة الماضية، ولم ينجب السيد الطيب الكريل ولكن كل هؤلاء يعتبرون أبناءه. ويقول اللصيقون به من العمال والعاملين إن صديقه الحميم الدائم هو المصحف الشريف، وكان رجل مال وأعمال كبيراً ومتعلماً وهو خريج أكسفورد. وأكثر ما كان يميزه تواضعه الجم وعلاقاته الطيبة الممتدة مع البسطاء، ولم يكن متساقطاً على مساقط الضوء، وكان بعيداً عن الذاتية والشوفونية، ولم يكن يلهث وراء المظاهر والأبهة الفارغة، وكان كشجرة البنفسج تختفي في الأدغال ولكن عبيرها الطيب الفواح يعبق في كل مكان، وقد ترك ذكرى طيبة، ويقال أنه كان يرفض رفضاً باتاً الكتابة عنه، وهو الآن في العالم الآخر، والكتابة عن مآثره واجب، لأن صفحاته الناصاعات أضحت ملكيتها إرثاً عاماً للجميع، ومن حقه على الدولة أن تطلق اسمه على شارع رئيس أو قاعة كبرى، وعليهم أن يسألوا ويلموا بمعلومات وافية عنه (والما بعرفك ما بعزك)، ويكفيه معزة من يعرفون أفضاله وأعماله الجليلة التي كان يقدمها لوجه الله سبحانه وتعالى... ونقف في الحلقة القادمة في سلسلة (رجال من ذهب) عند الفقيه الشيخ الحافظ الزاهد الذي تتلمذ على يديه آلاف الحفظة، ولم يكن يفرق بين القرش والتعريفة.. المغفور له بإذن الله الفكي آدم الحلاوي.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search