الثلاثاء، 16 كانون2/يناير 2018

board

للقسوة حدود

(1 )
نظلم الفريق إبراهيم عبود كثيراً إذا قلنا إنه ابتدع سياسة الأرض المحروقة في جنوب السودان، عندما طبق فيه التعريب والأسلمة، فكل ما فعله النظام أنه أخذ السياسة التي وضعها مؤتمر الخريجين وأعمل فيها نهجه العسكري، فالخريجون كانوا يرون أن مشكلة الجنوب سببها الأوحد هو سياسة المناطق المقفولة التي ابتدعها المستعمر في عام 1923م،

وأنه لولا تلك السياسة لانسابت اللغة العربية والإسلام في الجنوب كما حدث في كل السودان، ولأصبح الجنوب عربياً مسلماً بمرور الوقت، لذلك كان أول وأهم بند في مذكرة الخريجين الشهيرة هو إلغاء قانون المناطق المقفولة، ثم جاء نظام عبود (حسن بشير نصر وعلي بلدو) وحاول أن يطبق تلك السياسة بقوة السلاح، فكان طرد المبشرين وإلغاء عطلة الأحد وفرض اللغة العربية ونشر الخلاوي والجلاليب والذي منه (ويي بلدينا سوداننا وكلنا إخوان) بالعضل.
(2 )
سياسة التحرير الاقتصادي ومن مفرداتها رفع الدعم عن السلع والخدمات، وعدم التدخل في السوق، ومشروعية تجارة العملة ــ أي تعويم العملة المحلية ــ ظلت راية مرفوعة في الفكر الاقتصادي السوداني منذ قبول السودان أول روشتة لصندوق النقد الدولي في سبعينيات القرن الماضي على أيام بدر الدين سليمان، وخطت تلك السياسة في عهد الإنقاذ هذا خطوات واسعة مع كثير من التشوهات التي لحقت بها، ولعل أهم تلك التشوهات هو تدخل الحكومة المباشر في السوق (الحكومة التاجرة)، ثم الصرف الحكومي غير المرشد.. لذلك كان وزراء المالية المتعاقبون يحومون حول سياسة التحرير ولا يجرأون على وضعها كاملة حيز التطبيق (أعاين فيه وأضحك وأجري وأجيه راجع )، إلى أن جاء وزير المالية الأخير قادماً من المؤسسة العسكرية التي لا تعرف التردد في اتخاذ القرارات، فكانت ميزانية 2018م التي خلت من (يمة أرحميني)، ولم يردف معه ولا حتى الكلمة الطيبة، مع أن الكلمة الطيبة بخور الباطن، فاسمعه يقول للشعب مباشرةً وبعضمة لسانه: (كلما تضيق سنضطر إلى اتخاذ إجراءات قاسية)، علماً بأن سيادته يعلم علم اليقين أن الاقتصاد هو علم البدائل ولا مكان للطريق الواحد فيه، لأنه نال أرفع الدرجات في ذلك العلم، وليته اطلع على تجارب من سبقه ولماذا ترددوا في السير في ذلك الطريق الوعر.
(3 )
الواقع يقول إن وجود الحكومة في السوق واحتكار الكثير من السلع والخدمات، هو أكبر معيق لسياسة التحرير الاقتصادي، لا بل يلحق بها الهزيمة من أول وهلة، لأنه يهدم أول أركانها وهو حرية السوق، كما أنه سيكون مدخلاً لفساد لا يمكن احتواؤه لأنه فساد (مصلح) بالقانون، وتنتج عنه تشوهات أخرى كالتجنيب ثم الصرف البذخي غير المرشد، والعائق الثاني هو الصرف الحكومي، فإذا لم (تكرب) الحكومة بطنها وتبطل كل (الخمج) البتعمل فيه تكون سياسة التحرير الاقتصادي (طق حنك) ليس إلا، فالحكومة اليوم أكبر مستهلك للسيارات الفارهة، وأكبر مستهلك للوقود، وأكبر مستهلك للأثاثات الفاخرة، وأكبر مستهلك لـ... و.. و... وفي نفس الوقت يجب أن تذهب كل موارد الدولة نحو الإنتاج، فالقارئ لميزانية 2018م سوف يجد فيها كل ما يبطئ بالإنتاج.. (التفاصيل لاحقاً). وبقى شيء أخير لا بد أن يلتفت إليه السيد الوزير، وهو أن (الإجراءات القاسية) التي نطق بها لا تتحرك في فراغ، ولا بد لها أن تصطدم بما ينتج عنها، وهذا هو الدياليتيك الذي يثبته علم الاقتصاد نفسه، وتاني (يا حليلهم دوام بطراهم.. ونحن لسه في ذكراهم).

الأعمدة