الثلاثاء، 16 كانون2/يناير 2018

board

وإن من الأداء لسحرا(شمس الدين نموذجاً)

(1 )
كما هو معلوم، فإن الأغنية (مطلق الأغنية) مكونة من ثلاثة عناصر، وهي الكلمة واللحن والأداء. ولكن عندما يعجب الشخص بالأغنية غالباً ما يأخذها (مقاولة) ويطرب لها كما هي وهو ليس على استعداد لأية عملية تفكيك أو وجع دماغ، ولكن هناك متلقي حجج و(المتفلسف) الذي يسأل نفسه لماذا أعجب بهذه الأغنية؟

فيقوم بعملية تفكيك لها الى عناصرها الأولية، فيجري موازنة بين الكلمة واللحن والأداء، لا بل هناك من يصل به التفكيك ويقول لك هذه الكلمة لحنها أكبر من كلماتها، أو كلماتها أكبر من لحنها، أو لولا أن مؤديها الفنان فلاني الفلاني، لما استمع لها أحد. الأمر السائد أن معظم المتلقين يقفون عند الكلمات واللحن أي الموسيقى ويرون أن الأداء هو الحلقة الأسهل والذي ساعد على ذلك هو ما نراه اليوم من ظاهرة تكالب المغنين على الأغنية الواحدة، إذ يرددها عشرات المغنين كما هو حادث مع أغنيات الحقيبة. وبهذه المناسبة، فقد حكى لي الراحل المقيم سعد الدين إبراهيم بأنه قام بإحصاء الفنانين الشباب الذين أدوا أغنيته (العزيزة الما بتسأل عن ظروفنا) فوصل الى ما فوق الخمسين مغنٍ وتوقف. وكان هذا قبل وفاته بخمس سنوات. لذلك يعتبر الناس أن الأداء أقل العناصر أهمية، لأن أي صاحب صوت جميل يمكن يفعله مع الكلمات الملحنة.
(2 )
هناك مدرسة فنية ترى أن الأغنية هي الأداء، ويقف على رأس هذه المدرسة في السودان الأستاذان الكبيران عيسى الحلو والسر قدور، وهما يريان أن الغناء للطرب فقط، ومن أراد الشعر فليذهب له في دواوينه، ومن أراد الموسيقى فليذهب لها في ألبوماتها. أما الغناء، فهو صوت المغني وطريقة أدائه. فيقول عيسى الحلو إنه عندما يسمع إبراهيم عوض لا يهمه ماذا يقول في الكلمات ولا الموسيقى، إنه يسرح مع صوته الى خارج حدود الزمان والمكان. ويعضد ذلك ما قاله لي الراحل المقيم سعد الدين إبراهيم في المناسبة المذكورة أعلاه فعندما سألته عن أغنيته المعروفة التي يغنيها الفنان الكبير أبوعركي البخيت حكاية حبيبتي (عن حبيبتي بقول لكم)، فقال لي إنه لم يسمعها من غير أبوعركي رغم قدمها مقارنة بـ(العزيزة). فساعتها قد بدا أن أداء أبوعركي المتفرد الصعب، هو الذي صعَّب عملية استنساخها في حنجرة أخرى.
(3 )
الصديق الأديب الأستاذ طارق المادح، قال ذات مرة، إن المذيع –مطلق المذيع – يقع في زمرة المبدعين أي فنان، لأن الأداء يحتاج الى موهبة وإبداع. لقد وقع ما قاله طارق عندما استمعت لأول مرة للمذيع شمس الدين الذي يقدم برنامج الرياضة في إذاعة هوا السودان، فأثناء تسكعي بين إذاعات الأف أم تعثرت عليه ذات مرة فأصابني بالدهشة وارتحت له وقليلاً قليلاً أصبحت أبحث عنه الى أن صرت من المداومين على برنامجه الذي غالباً ما يجدني في السيارة في رحلتي اليومية بين الخرطوم والجزيرة. فشمس الدين ذو صوت قوي، ولكن الفن في طريقة أدائه متى يرفع صوته ومتى يمد الحرف ومتى يقبضه حتى في تعتعته تتمنى ألا يتوقف، وقد دعم موهبته بالاطلاع الواسع في مجاله فهو ملم بمادته ودرجة متابعته عالية وحضوره مع ضيوفه قوي جداً، لذلك يمتع سامعه ويجبره على متابعته بغض النظر عن الموضوع الذي يتناوله إن شاء الله أخبار الروابط. فرغم أنني لم أعد من محبي الرياضة، وبالتالي أخبارها لا تشكل أهمية بالنسبة لي، ولكنني عندما أجد شمس الدين أبقى معه مهما طال برنامجه فأصبح عندي مثله مثل الجابري وزيدان إبراهيم ومحمد وردي والذين منهم.. فشكراً شمس فقد أثبت أن من الأداء لسحرا!.

الأعمدة