الإثنين، 19 شباط/فبراير 2018

board

وحسن إسماعيل

(1 )
قد يستغرب أبناؤنا من الاجيال المعاصرة اذا قلنا لهم انه في قريب مضى كانت الدعارة تمارس علناً في المدن السودانية وبتراخيص من الدولة ممثلة في المحليات والمجالس البلدية ومن شروط الرخصة الكشف الصحي الدوري والرسوم وبالمقابل تجد صاحبتها الحماية القانونية،

وكانت كلما كبرت المدينة كبرت فيها احياء الدعارة خاصة العاصمة الخرطوم وكان منظر طالبي الخدمة وهو يقفون صفوفاً منظراً مألوفاً جداً، بالطبع كانت هناك معارضة وانتقادات حادة لهذه الظاهرة من منطلقات دينية واخرى اجتماعية وثالثة طبية، وبالمقابل كان هناك من يدافعون عنها ولعل المدافعين عنها علناً لم يكونوا اصحاب مصلحة او شركاء فيها انما كانت لهم رؤية فكرية قوامها ان الدعارة العلنية تمنع او على الاقل تقلل الدعارة السرية وان هؤلاء العاهرات اذا حوربن سوف ينتشرن في الاحياء العادية ويشعن تلك الممارسة فيها ومازالت في ذهني تلك الندوة الضخمة التي عقدت في قاعة الامتحانات بجامعة الخرطوم والتي امها خلق كثيرون وتحدث فيها لفيف من العلماء ومن كافة التخصصات , الطبية والنفسية والاجتماعية , والاقتصادية والسياسية وكانت عبارة العالم الطبيب النفساني الاشهر التيجاني الماحي (البغاء ضرورة اجتماعية) تتردد في جنبات القاعة.
(2 )
وصلت تلك الندوة الي خلاصة مفادها انه ان كان لابد من اغلاق بيوت الدعارة لابد ان يكون ذلك تدريجياً وبتدابير مختلفة وحذّرت الندوة من القرار السياسي ولكن قيض الله للعاصمة السيد مهدي مصطفى الهادي الذي رأى تمدد تلك الصنعة وكيف ان اماكنها اصبحت بؤراً تجمعت فيها اوكار الرذيلة والجريمة من خمر وميسر (ملوص) ومخدرات وتلويث للبيئة فاصبحت مهدِّداً امنياً وصحياً خطيراً، بالاضافة للمناظر المقززة فاصدر قانوناً يوقف ويجرّم الدعارة العلنية وتبعه بسياسات تنفيذية ادت الى تشليع وفرتكت تلك التجمعات في غمضة عين وترك الناس في جدلهم مهدي مصطفى الهادي لم يكن منطلقاً من ايدولوجية معينة رغم إنه كان شيوعياً لامعاً قبل انقسام الحزب حول مايو ولم يكن منطلقاً من موقف ديني فهو مسلم عادي بل منطلق من دواعي عملية كمسؤول عن صحة وسلامة العاصمة فكان حاسماً في قراره قوياً في منطقه دافع عن قراره في كافة المنابر و عرف كيف يؤمن قراره سياسياً.
(3 )
في السنوات الاخيرة انتشرت اكياس البلاستيك خفيفة الوزن رهيفة السُمك لدرجة انها اصبحت مهدِّداً بيئياً فثبت انها تتسبب في امراض وبائية خطيرة لان الناس اصبحت تحمل فيها الاطعمة، كما تسببت في انتشار النفايات وزيادة كميتها فبُحت اصوات الذين نادوا بمحاربتها وتشجعت بعض الولايات واصدرت قوانين بمنعها كالقضارف، اذ ثبت انها اضرت بالحيوان ورغم ان القوانين التي تجرم استعمالها قد اجيزت في العاصمة ولكن كان في كل مرة يتم تأجيلها فيبدو ان اصحاب المصلحة الخاصة فيها لهم قدرات ماعادية الى ان ظهر رئيس المجلس الاعلى للبيئة بالعاصمة الحالي الوزير حسن اسماعيل سيد احمد، الذي توكل على الحي الدائم ووضع تلك القوانين موضع التنفيذ فقامت عليه قيامة اصحاب المصلحة ثم بعض المختلفين ان لم نقل الناقمين على مسيرته السياسية، وبعض السياسيين الذين يرون ان مثل هذا العمل انصرافي ولكن حسن اندفع في قراره ودافع عنه بمنطق قوي وبيان ناصع فقد سمعته في اكثر من قناة وفي اكثر من اذاعة وهو يناقش ويجادل المختلفين معه فقد كان مقنعاً لدرجة الإدهاش .والان كل الدلائل تشير الى ان ذلك النوع من البلاستيك اللعين في طريقه للاختفاء .
(4 )
بالتأكيد ليس هناك مقارنة بين الدعارة والبلاستيك في النواحي الاخلاقية والاجتماعية فالمقارنة التي نوردها هنا بين مهدي وحسن في اتخاذ القرار الصاح وتخليصه من المنقصات التي قامت حوله، لنصل لخلاصة مفادها ان ابواب التاريخ يمكن ان تفتح بغير مفاتيح الانظمة والمواقف السياسية .