الخميس، 27 تموز/يوليو 2017

board

جذور التغوّل  المصري على السيادة الوطنية السودانية

استشار مستر (كمنج)  الحاكم العام للسودان بالإنابة المستر روجر ألن في القسم الأفريقي بوزارة الخارجية في خطاب بتاريخ 11/6/1950م،إذا ما كانت ستوافق وزارة الخارجية البريطانية على الطلب الإسرائيلي،

باستئناف الخدمات البريدية بين إسرائيل والسودان، وذلك عبر استخدام خطوط طيران جنوب أفريقيا أو الخطوط الجويَّة القبرصية في هذا الغرض (الخدمات البريدية بين تل أبيب والخرطوم).وقد جاءت الموافقة بتجديد الخدمات البريدية بين إسرائيل والسودان، من وزارة الخارجية البريطانية (FO) إلى الخرطوم بتاريخ 4/يوليو/1954م. ذلك بينما كانت  وزارة الخارجية البريطانية في لندن  لحظتئذٍ مهتمة بأبعاد ثلاثة لهذه المشكلة وهي :
1/ إلى أي مدى لدى مصر ، إحدى دولتي الحكم الثنائي، الحق القانوني لتفرض على السودان أن يحظر التجارة مع إسرائيل.
2/ انعكاس ذلك الجدل حول الحظر التجاري المصري ضد إسرائيل على السياسة السودانية الداخليَّة. حيث أن الصراع كان يتصاعد بين قوى (وحدة وادي النيل) و(الاستقلاليين)، أي بين (الاتحاديين) و (حزب الأمة).حيث باتت السلطات البريطانية في الخرطوم تخشى أن ينعكس ذلك بصورة سيئة على تيَّار الاستقلاليين إذا لم تتم الاستجابة لطلب مصر بأن يقاطع السودان إسرائيل تجارياً.
3/ هناك النتائج الاقتصادية التي لها تأثير ضار على الاثنين :المزارعين والتجار السودانيين ، خاصة أن الصادرات السودانية شبه قليلة .وفي تعليقه الضافي أبرز المستشار القانوني مستر(فتزموريس) بوضوح أن هناك أرضية واحدة فقط على أساسها يمكن أن يستند طلب مصر بأن يقاطع السودان إسرائيل تجارياً . تلك الأرضية هي ان السودان يقع ضمن الحدود المصرية وأن ذلك الوضع في حرب تنخرط فيها مصر ضد إسرائيل، يمنح مصر الحقّ لمنع التجارة بكلّ أنواعها بين السودان وعدوِّها (إسرائيل).جاءت تلك المعلومات في وقائع اجتماع بتاريخ 16/يونيو/1950م قام بتدوينها السيد/فتزموريس من القسم الأفريقي بوزارة الخارجية البريطانية (FO/ 371/80431).
لكن عند التعامل مع حقوق مصر باعتبارها  إحدى دولتي الحكم الثنائي، يصبح مستر (فتزموريس) متردداً. حيث بالرغم من دعواه أن من الصعب تحديد الناحية القانونية في حالة حكم ثنائي أحد طرفيه في حالة حرب  والآخر ليس طرفاً فيها،  فقد خلص المستشار القانوني مستر (فتزموريس) بأن ليس من حقّ مصر منع السودان من التعامل التجاري مع إسرائيل ما لم تتعامل مع تجارة السودان باعتبارها شأناً مصرياً داخليّاً . لذا فإن أي حظر تجاري بين السودان وإسرائيل (بحدودها المعروفة) يستدعي أن يصبح محكوماً بتشريع سوداني داخلي. وقد صدرت بذلك التوجيهات من لندن إلى الخرطوم بعد إرسالها أولاً إلى السفارة البريطانية في القاهرة لإقرارها. لذلك قامت بريطانيا على الصعيدين القانوني والسياسي بمناهضة قانونية تصرّف مصر بإيقاف السَّفينة الإيطالية التي كانت متجهة إلى إسرائيل . وكذلك  ناهضت بريطانيا مطالب مصر  فيما يتعلق بحظر تجاري كامل فوري في المستقبل بين السودان وإسرائيل .يشار إلى أن الموقف المصري اليوم من السِّيادة الوطنية السودانية إلى حدّ ما، حدّ مزعج جدّاً ،لايزال في خانة (الحكم الثنائي). حيث لاتزال مصر تتصرف بعقليَّة خديويَّة!.