الجمعة، 20 نيسان/أبريل 2018

board

فريد عصره

كان الشهيد عبيد ختم زاهداً متواضعاً ورعاً قليل الكلام كثير العمل هادئاً، مهذباً، محبَّاً للدعابة في وقار، بارَّاً بوالديه، قريباً من أصدقائه، محبوباً ممن عاشره من الإخوان. كان  (مسؤولاً) كأنه لم يكن طفلاً يوماً ما. قرأ تفسير القرآن للصابوني عشرين مرة على الأقل.

كما قرأ كلَّ التفاسير من الطبري إلى ابن كثير إلى الجلالين. حين دعا الداعي كان قائداً لفصيل دمَّر أكبر معسكرات التمرد في غرب الاستوائية. في تلك المعركة قطع عبيد ختم مسافات شاسعة مشياً على الأقدام، برفقة إخوانه محمود شريف ويوسف أحمد يوسف وإبراهيم عبد الحفيظ وغيرهم من الأخيار ممن رافقوه.
أصبح عبيد ختم الأمين العام لمنظمة (شباب الوطن). كان أحد مؤسسي الدفاع الشعبي. عمل أستاذاً للقراءات  بجامعة أفريقيا ونائب الأمين العام لجمعية القرآن الكريم التي أصبح لها مئات الفروع. تميز عبيد ختم، من ضمن ما تميز به، بتلاوة القرآن بصوت نديّ خاشع جذّاب. قبل استشهاده بثلاثة أيام، وكان يؤم المجاهدين في التراويح في الليلة السادسة عشر من رمضان، كان من المفترض في تلك الليلة أن يقرأ الجزء السادس عشر. ولكن بدلاً عن ذلك أقام الصلاة في تلك الليلة بآيات الجهاد بدءاً من آيات البقرة وآل عمران والنساء وانتهاءً بالأنفال والتوبة. كانت تلك آخر (صلاة قيام) له. حيث تحرَّك (الطوف) في اليوم السابع عشر من رمضان، ليلاقي عبيد ختم ربَّه بعد يومين. كعهده بالتقدم في الصفوف الأمامية، كان عبيد ختم يتقدم صفوف التراويح، ويتقدم الصفوف في المعارك. لذلك جاءت إصابته مباشرة وبليغة واخترقت رصاصة ظهره إلى صدره لتنفذ إلى قلبه ليسلم الروح وهو يردد (هي الشهادة هي الشهادة). كان ممن برفقته في المعركة التي استشهد بها محمود شريف (الدكتور الشهيد) والمجاهد إبراهيم   عبد الحفيظ وقد شهدا على رائحة المسك تنبعث منه. دفن عبيد ختم في (جوبا). كان عبيد ختم في أيامه الأخيرة كثير الصمت، حيث ازداد صمتاً على صمته المطبوع، وضاعف عبادته قبل الذهاب إلى الجهاد بشهرين، وداوم على ختم القرآن كلّ ثلاثة أيام، وكان يصوم يوماً ويفطر يوم.
ذِكر الشهيد باقٍ بمآثره العطرة وبذريّته الطيبة فاطمة وجهاد ومجاهد، وذكرى أمهم ورفيقة حياته  الراحلة  الأستاذة شريفة مختار. وقد أحسن الأديب جمال الدين الدهيسابي عندما أعدّ كتاباً وافياً ينبض بالصدق والوفاء عن سيرة الشهيد أسماه (الشيخ الشهيد.. عبيد ختم .. نداوة القرآن وحشرجة العبرات والبكاء). حيث حفل الكتاب بشهادات عدد من الذين عرفوا عبيد ختم عن كثب. هذا ونأمل في تنفيذ مشروع كتابة توثيقية مستوفية عن الحرب الأهلية في السودان، لتصبح درساً للأجيال. هذا وما تزال أرواح شهداء (الحركة الإسلامية) في الجنوب وغير الجنوب ترنو إلى الحركة الإسلاميَّة اليوم وهي تتأرجح بين (الاستدراج) و (الاستبدال). اليوم أرواح الشهداء في عليائها السعيدة ترمق (الحركة الإسلامية السودانيَّة) وتقول (لقد أزرى بكِ الدّهر بعدنا)!.
ألف رحمة ونور على (عبيد ختم). اللهم اجعله في فردوسك الأعلى.