الأحد، 22 نيسان/أبريل 2018

board

(تحضير الأرواح) في المؤتمر الوطني

دخل السودان منذ التسعينات عصر  (القَبَليَّة السياسية)، حتى أصبحت القبيلة حزباً سياسياً، وحتى أصبح السودان في طليعة دول القَبَليَّة السيّاسيَّة في العالم.  صار السودان، بعد أن تبوأ مكانه في ذلك النفق،

في نفس التصنيف السياسي الذي يتضمن الصومال واليمن وأفغانستان.  لم تكن أسوأ كوابيس الحركة الوطنية في العشرينات تتوقع ذلك التطور السالب، أي أن يتحوَّل السّودان إلى (دولة قبلية سياسية)، وذلك في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين. بعد أن تمَّ (تعميد) السّودان عضواً في (الكرنڤال السيّاسي القبلي) لليمن والصومال وأفغانستان،  وكفى بذلك عاراً و تخلُّفاً،  تمّ تدشين السودان عضواً شرفيَّاً في (نادي التوريث السياسي).  جاء ذلك التدشين الجديد للتوريث السياسي، متزامناً مع ثورات الربيع العربي التي أطاحت التوريث السياسي في مصر وليبيا واليمن وتونس, حيث كان بن علي يرتب لزوجته وراثة الرئاسة،  وسوريا (على الطريق).  كما سقط التوريث السياسي في العراق.  إعادة التوريث السياسي في السودان يعني أن المؤتمر الوطني (لسبب يعلمه الله) تغمره مهابة كبيرة للطائفية السياسية، مهابة لا تتوافق مع التأثير الواقعي الضئيل لتلك  الطائفية. الوثائق البريطانية منذ مطلع السبعينات تكشف عن تلاشي نفوذ الطائفتين. فقد أصبحتا مجرد أشباح من الماضي. عندما تقدَّم الرئيس جورج بوش عام 1986م للترشح للانتخابات الرئاسية قدّم أوراق اعتماده إلى الشعب الأمريكي، وهو رجل أعمال ناجح صنع نفسه بنفسه تبلغ ثروته (46) مليون دولار، عضو كونجرس يتمتع بخبرة تشريعية وتجربة في صنع القوانين، سفير أمريكا في الأمم المتحدة بخبرة كبيرة في السياسة الدولية.  سفير أمريكا في الصيّن (أهم الدول الكبرى القادمة).  رئيس جهاز استخبارات (CIA). بهذه المواصفات تقدم جورج بوش إلى الناخب الأمريكي مترشحَّاً للرئاسة.  بنفس المعيار ما هي (أوراق اعتماد) السيد (الميرغني)، ولماذا تمّ تنصيبه؟. هل بسبب أن جدَّه كان من الصالحين، إن كان ذلك هو السبب فإن السياسة ليست جلسة (تحضير أرواح).  الخلاف ليس على الأجداد.  بل الأجداد مُتَّفق على صلاحهم.  الخلاف على الأحفاد والأنجال الذين  تمَّ تعيينهم اليوم، ماهي أوراق اعتمادهم،  ماهو تاريخهم ، ماهي مؤهلاتهم وخبرتهم  وعطاؤهم السيّاسيّ والفكري والوطني. تلك التعيينات تضع صورة متواضعة للغاية للقيادات السودانية في الذهن الإقليمي والدوّلي. إذا كانت المؤهلات الشخصية والسِّيرة الذاتية للسيد/ (الميرغني) تؤهله فلماذا لا يتمَّ الإعلان عن تلك المؤهلات.  هل يتجرأ (الميرغني) على مجرد الترشيح في دائرة انتخابية جغرافية في أية مدينة أو قرية سودانية؟. الحرص على تعيين أمثال السيد/ (الميرغني) مثير للحيرة والغرابة. جيل (الفيسبوك) السوداني وجيل (الآي باد) السوداني، في تعجُّب يتبادل نظرات الاستغراب من ظاهرة طائر الشفق الغريب المرتبك، الذي حطَّ فجأة على أشجار القصر الجمهوري قادماً من مهجره في البرازيل!. أما عند التعامل مع (آل المهدي) فقد كان حزب المؤتمر الوطني حريصاً على توريث (آل المهدي) أكثر من الإمام المهدي عليه السلام نفسه. حيث كان الإمام المهدي يرفض فكرة التوريث رفضاً جذرياً، وأوصى بالقيادة من بعده للخليفة عبد الله بن محمد وليس لقريبه الخليفة شريف .  علماً بأن آل الإمام المهدي وقرابته قد كانوا من الأبكار في الثورة وقدموا الرأي السديد واستبسلوا في القتال والتضحيات والاستشهاد من أجل  المهدية، يكفي أن ثلاثة من إخوة الإمام المهدي قد استشهدوا،  كما استشهد من أبنائه العشرة خمسة، ومات ثلاثة في السّجن المؤبد خارج السودان.  لكن رغم ذلك كان الإمام المهدي ضد التوريث، ووضع معياره في اختيار القيادة (الكفاءة الذاتية) فقط لا غير. لكن اليوم هناك حرص على توريث (آل المهدي)  أكثر من حرص جدّهم الإمام.  هذا تحضير أرواح آخر لأرواح الصالحين. علماً أن عدداً من أبناء وبنات السيد/  الصادق المهدي لديهم  من الخبرات الشخصية ما يؤهِّلهم للمناصب العامة، دون الاستناد إلى الآلة الرافعة العائلية أو الطائفية أو الحزبية. في معيار الكفاءة الإسلامي للتعيين للمناصب العامة، هناك معيار (القوة والأمانة) أو (الحفظ والعلم) أي الكفاءة الذاتية والأخلاق العالية. حتى الآن لا يدري أحد، كما لا يدري السيد/  (الميرغني) نفسه ماهي المعايير الإسلامية أو غير الإسلامية التي تمَّ على أساسها اختياره؟.