الجمعة، 20 نيسان/أبريل 2018

board

عليك اللّه يا أفندي.. الله يدّيك حجَّة!

عليك الله يا أفندي.. اللّه يديك حجَّة!... تلك كانت صرخة تضرّع وخوف ورجاء. لم تزل تلك الصيحة بأذني منذ السنة الأولى مرحلة الأساس. هي صيحة زميلي في المدرسة (أزهري سليمان).

كان التلاميذ في المدارس يقولون يا أستاذ ويا أفندي وهم يخاطبون معلميهم. ذات مرّة جُلد الصحفي الأستاذ حسن جبورة أربعين جلدة في (الطابور) في المدرسة... تحمّلها صابراً محتسباً!. أربعون جلدة هي حدّ الافتراء في الشريعة!. أمَّا جريمة أزهري سليمان ذلك اليوم فقد كانت عدم أداء الواجب، وهو تسميع إحدى المحفوظات. حمل المعلّم (كرباجاً) خطيراً وتقدّم نحو أزهري ليجلده به. ففاجأه بالجلدة الأولى على ظهره، فجرى أمام زملائه في الفصل يصرخ برعبٍ هستيري، وهو  يتلوَّى يميناً ويساراً. ورجع المعلّم إلى الوراء ثم تقدَّم خطوة فجلد أزهري جلدة ثانية زلزلت كيانه فزاد صراخه. ولم يقف المعلّم عند هذا الحدّ بل نادى تلاميذ (الكنبة) الأخيرة من العتاة، ليحملوا أزهري من يديه ورجليه فخرج (العتاولة) يلبُّون نداء الواجب، ليمسكوه بإحكام لا يسمح له بأية فرفرة. فأحاطوا به وهو يرتجف خوفاً يبكي. فحملوه من يديه ورجليه ممدوداً على الهواء، لتلحق به الجلدة الثالثة تمزق ظهره. وتتابعت الجلدات وأزهري يصيح فزعاً مستعطفاً... عليك الله يا أفندي.. الله يديك حجَّة!. أي يتمنى من الله للمعلم أن يرزقه الحجّ إلى بيته الحرام. لكن بقلب لا يلين كان (المعلّم) يواصل ويواصل الجلد، ويواصل أزهري ويواصل الصراخ بصوت أعلى وأعلى، حتى بلغت (الجلدات) عشراً. ثم أقلع المعلّم عن الجلد، ودمه يغلي، وسط صمت ورعب تلاميذ الفصل الذين يشهدون عذاب أزهري.
ووضع (العتاولة) أزهري على الأرض وهو حطام تلميذ، يرقد على الأرض هامداً ممزقاً، وقد تمّ تدميره تماماً. ثمّ نهض يمشي يجرّ خطواته الحزينة مكسور الخاطر والوجدان، وقد أقيم عليه الحدّ، كأنه مجرم ، شهد عذابه طائفة من المؤمنين، من التلاميذ الصغار الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. أزهري سليمان غادر المدرسة لاحقاً ليصبح (فاقد تربويّ). كان أمل والده وأسرته في تعليمه أن يتبوَّأ في المستقبل وظيفة مرموقة، ويصبح وجيهاً من الوجهاء. كان والده (عمّ سليمان) رجلاً طيباً أميناً، يعمل في مهنة قليلة الرزق للغاية (شيَّالي) . لم يصبح أزهري سليمان مثل زملائه في الفصل، شاذلي حسين سعيد (طبيب مشهور) أو محمد صلاح الدين عباس (طبيب مشهور) أو فيصل محمد صالح (طبيب اختصاصي مشهور في بريطانيا)، أو عبد المجيد بابكر الكارس (رجل أعمال).أضاع الجلد أزهري سليمان، وكسر أجنحة أسرته. يا أزهري سليمان إن القلب ليحزن... وإنا لضياعك يا أزهري لمحزونون...