الأربعاء، 29 مارس 2017

board

بعيداً عن مصر... زعماء السودان ... من وحدويين إلى استقلاليين

في اجتماع رئيس حزب الأمة السيد / الصديق المهدي بوزير الدولة للخارجية البريطانية في لندن بتاريخ 29/6/1954م، وبنظرة فاحصة للسياسة السودانية قال الوزير البريطاني السيد/ سلوين لويد، إن القوى الموالية للاستقلال في السودان، تتضمَّن العديد ممَّن هم ليسوا من مؤيدي حزب الأمَّة، حيث أن حركة الاستقلال في السودان  قد أصبحت تسبح في تيَّارعام.

وكان السيد/ سلوين لويد مقتنعاً أن المصريين بكلّ جهودهم، ليس لديهم أمل بأن يقفوا في طريق التَّيار الاستقلالي. وأكثر من ذلك أن السيد/ لويد بصورة شديدة الوضوح رفض تقديم عون مالي إلى حزب الأمة، شارحاً ذلك بقوله إن تقديم الدعم المالي إذا ما ظهر للعلن سيلحق ضرراً دائماً بـ(الاستقلاليين)، كما أن الحكومة البريطانية ليست لديها وسائل لتقديم (دعومات) سريَّة ،(جمع دعم)، كما يحدث في مصر. في ذلك السِّياق يشار إلى أن الحاكم العام البريطاني للسودان في الخرطوم ، كان سعيداً للغاية وهو يرى زعماء السودان من غلاة الوحدويين مع مصر ، ينتهون إلى النفور السياسي من مصر، ينتهون إلى  النفور من (الفيروس) الخديوي الذي يجري في دمّ سياسة مصر السودانية ، فينحازون إلى تيار (الاستقلال)السياسي عن مصر . تلك الحقيقة، حقيقة أن الاقتراب السياسي من مصر يؤدي إلى احتقار سياستها السودانية، هي حقيقة صحيحة. وذلك بدءًا من رئيس الوزراء السيد/عبدالله خليل(سكرتير عام حزب الأمة) إلى رئيس الوزراء  السيد إسماعيل الأزهري (زعيم الحزب الوطني الاتحادي) الذي كان يضمّ تحالف (8) أحزاب اتحادية جرى تذويبها في حزب واحد (الحزب الوطني الاتحادي)،في فندق (سميراميس) في القاهرة، قبل انطلاق الانتخابات الأولى التي سبقت استقلال السودان . كان السيد/عبدالله خليل في حقبة العشرينات  من الكوادر الوطنية الناشطة في حركة اللواء الأبيض الداعية للوحدة مع مصر. ثمّ  من بعد أصبح من رموز الاستقلاليين عن مصر. كذلك السيد/ إسماعيل الأزهري، انتقل من عنفوان اتحاديَّته مع مصر ليعلن من منصة البرلمان،   الاستقلال عن مصر وبريطانيا على السواء!. ذلك الدرس بتحوُّل القادة (الوحدويين) السودانيين إلى (استقلاليين)، يفيد أن مصر إذا لم تتخلّص من  (فيروس) الخديوية في سياستها السودانية، فلن تستقيم علاقة البلدين الشقيقين. كذلك تسلّل التيار الاستقلالي عن مصر إلى الجيل الثاني من السياسيين السودانيين.  ذلك الجيل الذي أعقب جيل قادة الاستقلال، من أمثال المفكر بابكر كرار والسيد/ عبد الخالق محجوب والدكتور حسن الترابي. حيث تسلّل  التيار الاستقلالي (عن مصر) إلى الحزب الشيوعي (السوداني) بقيادة السيد/ عبد الخالق محجوب، فصارت (السوداني) جزءًاً من الاسم الرسمي للحزب الذي وفد إلى السودان قادماً من مصر ، قادماً من الحزب الشيوعي المصري ودهاقنته من أمثال اليهودي المصري (هنري كورييل). كذلك تسّلل التيار الاستقلالي إلى (حركة التحرير الإسلامي) بقيادة الأستاذ الكبير بابكر كرار، التي كانت ترى مرجعيتها في الثورة المهدية السودانية، وليس في حركة (الإخوان المسلمين) في مصر. وقد تطورت (حركة التحرير الإسلامي)على يد الدكتور حسن الترابي، وليس على يد المؤسس  المفكّر بابكر كرار، لتصبح (الحركة الإسلامية السودانية)، بعد أن أذابت في وعائها حركة (الإخوان المسلمين) القادمة من مصر، لتصبح بعد (السَّودنة ) رافداً من روافد الحركة الإسلامية السودانية.  كان ثمن (سودنة) حركة (الإخوان المسلمين) القادمة من مصر هي الإطاحة بزعامة الأستاذ صادق عبدالله عبدالماجد ورفاقه، وإزاحته من القيادة. كان (الطالب) بابكر كرار، مؤسس (حركة التحرير الإسلامي)، خلال دراسته الجامعية أول من التقى الإمام حسن البنا ، عندما سافر إلى مصر ضمن منتخب جامعة الخرطوم لكرة القدم. كان بابكر كرار إلى جانب ذكائه وثقافته الواسعة وتفكيره العميق، كان لاعب كرة قدم  ماهراً، على طريق إخوانه إبراهيم كرار ومصطفى كرار ومحمد كرار النور.
< نواصل