الثلاثاء، 30 أيار 2017

board

هل يرفرف (علم الاستقلال) مرة أخرى على سارية القصر؟

نشيد (أنت سوداني وسوداني أنا) من تأليف الدكتور أحمد الطيب أحمد. لكن من تواضعه الأصيل لم يضع اسمه عليه. كان الدكتور أحمد الطيب من ذلك التواضع الأصيل الذي يسكنه يقول (أفضِّل أن أكون لا شيء). و كما يتبيَّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر،

كان في وعي الدكتور أحمد الطيب خيطٌ مضيء يتبيَّن بين تواضعه والشعور بالعدم. حاز الدكتور أحمد الطيب على الدكتوراة من جامعة لندن عام 1953م. كذلك نشيد العلم ( علمي أنت رجائي أنت عنوان الولاءِ)، كان من تأليف الدكتور أحمد الطيب بالمشاركة مع الأستاذ الجليل عبد اللطيف عبد الرحمن. ومرةً ثانيةً لم يضع الدكتور أحمد الطيب اسمه على ذلك النشيد. (العلم) هو (علم الاستقلال) الذي رفعه الزعيم إسماعيل الأزهري صباح يوم الاستقلال على سارية القصر الجمهوري. (راية استقلالنا) كانت ملهمة لشاعر آخر . حيث أطلَّ في السودان نشيد (اليوم نرفع راية استقلالنا) الذي كتبه الشاعر عبد الواحد عبد الله يوسف عام1959م، عندما كان طالباً بجامعة الخرطوم وقام كورال الجامعة بأداء النشيد. كان الأستاذ محمد وردي حاضراً تلك الليلة، فاستأذن الشاعر في تلحين الأغنية. لكن (راية استقلالنا) الوطنية السودانية قد بدَّلتها (ثورة مايو) بـ(راية القوميين العرب)، بيض صنائعنا خضرٌ مرابعنا سودٌ وقائعنا حمرٌ مواضينا. هذه (حماسة) كبرى. حماسة حميدة. ولكن ماهي علاقتها الفعلية بالسُّودان. هذا العلم الذي حلّ محلّ (علم الاستقلال)، لم ينفعل به أحد كسابقه. ولم يكتب عنه أحد بيتاً واحداً من الشعر. وذلك منذ أن وضعته (ثورة مايو) قبل (47) عاماً على سارية القصر الجمهوري، وإلى الآن. ذلك لأنه لا يستبطن بداخله تجربة شعب السودان في الكفاح الوطني من أجل الاستقلال .كان علم الاستقلال  (راية استقلالنا) وليد الحركة الوطنية في عنفوانها . فجاء يحمل رمزيات السودان الخالدة. إحدى تلك الرمزيات نهر النيل، أطول أنهار العالم. تغيير علم الاستقلال يعني عدم الاعتراف بدور الحركة الوطنية في الاستقلال. كذلك قام الأستاذ أحمد الطيب بمشاركة الأستاذ عبد اللطيف عبد الرحمن في تأليف نشيد محو الأمية (وداع الجهل).. ومن ذلك النشيد أبيات (أيُّها الجهل المخيف المعتدي... طال مثواك بهذا البلدِ... لن يظلَّ الشعبُ مكتوفَ اليدِ... فوداعاً ووداعَ الأبدِ.. كلّ جيلٍ سوف يروي ويغني ويعيد ... يوم حاربناك يا جهلُ بعزمٍ من حديد). ومرَّة أخرى لم يضع الدكتور أحمد الطيب اسمه على ذلك النشيد. لم يضع العبقري الفذّ الدكتور أحمد الطيب اسمه على أىّ نشيد وطني ممَّا قام بتأليفه. لم يضع اسمه الوطني الجليل على ما كتب من أناشيد رائعة درسها الملايين من تلاميذ السودان.  أحمد الطيب الهادئ الخجول المبدع الزاهد في الشهرة، لم يضع اسمه على روائع شعره في التربية الوطنية. حيث الشهرة تجعل من صاحبها هدفاً للعيون الحاقدة والألسن الحاسدة، تلك تنقِّب وهذه تروي!. ورغماً عن ذلك التواضع الأصيل، كان أحمد الطيب شقيَّاً بذكائه مصلوباً على الصخر والطير يأكل من كبده. من هو ذلك الطائر؟ هل هو الوسواس الخنَّاس الذي أكلته نار الغيرة ، وقد شرب قهوة الشيطان، فطفق يوسوس في صدور الناس . الخميس 16/ فبراير/2017م يوافق ذكرى رحيله في الخامسة والأربعين من عمره. فقد رحل فقيد العلم والأدب والتربية والتعليم وزهرة علماء السودان في 16/ فبراير/ 1962م، الموافق 11/ رمضان 1381هـ. ذهب إلى الخلود يشيعه بحر زاخر من مكارم أخلاقه في الأدب الجمّ والإخلاص للوطن ونكران الذات والتفاني في العمل وقلّة الكلام وحبّ الناس وعشق الخير والكرم بلا حدود. وحين رحل عن الوجود، لم تبقَ روضةٌ غداة ثوى إلا اشتهت أنَّها قبرُ. ألا رحمة الله الواسعة عليه.