الخميس، 17 آب/أغسطس 2017

board

نزيف السِّياسيين الأكفاء 

عندما كانت مظاهرات الشيوعيين في الخرطوم ترفع الأعلام الحمراء وتهتف (سايرين سايرين في طريق لينين) و (الخرطوم ليست مكَّة)، في تلك اللحظات اختطف القذافي بابكر النور وفاروق حمد الله من قادة انقلاب 19/ يوليو/1971م.

وقام الرئيس الليبي بتسليمهما إلى الرئيس جعفر نميري الذي حكم عليهما بالإعدام رمياً بالرصاص. ودارت عجلة الزمن في ثورة فبراير الليبية وخرج الرئيس القذافي هارباً مطارداً من (ماسورة)، ليواجه كتيبة (الغيران) من شباب (مصراتة) الذين أعدموه بطريقة غير كريمة. عندما تمّ اختطاف بابكر النور وفاروق حمد الله، كان يوجد في القاهرة حينها الرائد خالد حسن عباس وزير الدفاع في حكومة الرئيس جعفر نميري، وقد كان بصدد قيادة القوة السودانية، التي تقاتل في قناة السويس إلى جانب الجيش المصري، والقدوم بها إلى الخرطوم ليقاتل الانقلابيين. لكن قبل وصول خالد حسن عباس بقواته إلى الخرطوم، تحرَّكت يوم 22/ يوليو 1971م قوات من سلاح المدرعات وسلاح المظلات ضد انقلاب 19/ يوليو. ونتجت عن ذلك التحرك عودة الرئيس جعفر نميري إلى الحكم. وقد أسهم اختطاف القذافي لكلٍّ من بابكر النور وفاروق حمد الله في زلزلة الانقلاب العسكري وزيادة ارتباك مسؤوليه. وفشل الإنقلاب بعد (72) ساعة فقط. وعاد النميري إلى السلطة بغضب جامح، فحكم بالإعدام على كل القادة السياسيين والعسكريين في الحزب الشيوعي. وكانت محاكمات صوريَّة. وتمّ إعدام زعيم الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب الذي قُبِض عليه في (أبو روف) بأم درمان، والزعيم النقابي الشفيع أحمد الشيخ والمحامي الوزير جوزيف قرنق. كما تمّ إعدام الضباط الشيوعيين الذين نفذوا انقلاب 19/ يوليو 1971م، وهم الرائد هاشم العطا والعقيد عبد المنعم محمد أحمد (الهاموش) من سلاح المدرعات والمقدم عثمان حاج حسين أبو شيبة من الحرس الجمهوري والنقيب معاوية عبد الحي (عضو مجلس ثورة 19/ يوليو) وكان ضمن حرس الرئيس جعفر نميري. وتمّ إعدام محجوب ابراهيم (طلقة) من أقارب السيد/ عبد الخالق محجوب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، والنقيب محمد أحمد الزين عضو مجلس ثورة 19/ يوليو وغيرهم من القادة العسكريين. ولم تسلَّم جثامين القتلى إلى ذويهم. ولكن تسرَّبت معلومات بأن السيد/ الشفيع أحمد الشيخ (زوج السيدة فاطمة أحمد ابراهيم أول برلمانية سودانية) قد دفِن سَّراً في (مقابر حمد) بالخرطوم بحري، كما كشف قريبه الدكتور عبد الماجد عبد القادر الخبير الزراعي الشهير. وقتِل المقدم محمد أحمد الريح السَّنهوريّ عضو مجلس ثورة 19/ يوليو خلال المواجهات التي سبقت فشل الانقلاب. وأفلت الضابط خالد حسين الكد (من أقارب عبد الخالق محجوب) من موجة الإعدامات. وحين أفلت زمام الأمور من يد قادة انقلاب 19/ يوليو كان المختطفان بابكر النور وفاروق حمد الله رهن الاعتقال في سجون القذافي. وبعد انجلاء الموقف لصالح النميري قام القذافي بتسليم بابكر النور وفاروق حمد الله إلى جعفر نميري الذي قام بدم بارد بإعدامهما. ولم يراع النميري أىّ أساس للعدالة، وقد كان في غنىً عن ذلك، فقد تمّ انقلاب 19/ يوليو وهما خارج السودان وفشل الانقلاب وهما في سجون القذافي. لكن مخابرات القذافي التي صعدت إلى الطائرات واعتقلت بابكر النور وفاروق حمد الله لم تتعرَّف على ثالثهما الرائد محمد محجوب عثمان (شقيق عبد الخالق محجوب) عضو مجلس ثورة 19/ يوليو فنجا من الاعتقال والإعدام.