الجمعة، 24 تشرين2/نوفمبر 2017

board

أعيدوا المقاهي

> يتعامل قطاع عريض من مكونات المجتمع السوداني بحساسية مفرطة مع أية إجراءات أو قرارات تصدر تجاه «بائعات الشاي» باعتبارهن شرائح ضعيفة أجبرتها الظروف على الخروج إلى الشارع والتعرُّض للمناوشات والمضايقات لأجل «لقمة عيش» نظيفة يضعنها في أفواه جائعة بسبب اليتم والفقر وغيره من مطبات الحياة ومزالقها.

> شريحة مهمة ظلت تطالها كثير من الإجراءات بغرض تنظيم المهنة وإزالة بعض الشوائب والمخالفات التي بدأت تظهر في أوساطهن، فكان قرار إخلاء شارع النيل وما صاحبه من جدل، ثم قرار آخر صدر أمس بعد اجتماع مشترك بين وزيرة التنمية الاجتماعية بالخرطوم أمل البيلي والمعتمد أحمد أبوشنب قضى بحظر عمل بائعات الشاي بصورة قطعية في الشوارع الرئيسة ومنع الأجنبيات من مزاولة المهنة.
> طرح الاجتماع حلولاً جذرية وبدائل تستصحب البعد الاجتماعي للبائعات وتخصيص أكشاك تراعي المظهر الحضاري والنظافة وصحة المواطنين واستيعاب مجموعة منهن في مشروعات بديلة عبر برامج التمويل الأصغر.
> وجود «بائعات الشاي» اقتضته الضرورة، ولهن زبائن كُثر يقضون جُل وقتهم خارج المنزل لظروف عملهم كالموظفين وعمال اليوميات وأصحاب المهن الهامشية ومرافقي المرضى والمسافرين وغيرهم. هؤلاء جميعهم ينشدون بائعات الشاي لاحتساء أكواب القهوة وتناول الوجبات الخفيفة لتعينهم على إكمال يوم مرهق تنتهي تفاصيله عند المغيب، وبعضه يمتد حتى الساعات الأولى من الصباح.
> دعونا نعود معاً بالذاكرة للوراء قليلاً لنرى كيف كان الحال في السابق، عندما انتشرت «المقاهي» في مدن الخرطوم والولايات، يومها لم يكن لبائعات الشاي وجود لأن هذه المقاهي كانت تسيطر على المشهد ويحرص على الظهور فيها أهل السياسة والرياضة والفن والأدب والصحافة ورجال الأعمال.
> من أشهر المقاهي التي كان يرتادها مشاهير المجتمع، مقهى «أتينيه» بالخرطوم لصاحبه الخواجة الإغريقي «فالفس» وقهوة «جورج مشرقي» و«ود الأغا» و«الزيات» و«النجمة» و«البان جديد» و«يوسف الفكي» في أم درمان، وغيرها من المقاهي ذات الشهرة الطاغية.
> مشهد الشباب والشيوخ وهم يتحلقون حول «الراديو» ليستمعوا للخطب السياسية والأغنيات الجديدة ويلعبون ويتسامرون في أوقات الفراغ ويحتسون المشروبات الساخنة، كان مظهراً حضارياً وثقافياً، يحرص عليه أصحاب هذه المقاهي، فخرجت الروائع من مناضدها وظلت ذكرياتها مخزوناً أدبياً وثقافياً وفنياً تتناقله الأجيال.
> يتحدث الروائي المصري «نجيب محفوظ» عن المقاهي التي كان يقضي فيها أغلب أوقاته وتبدأ وتنتهي منها فصول رواياته التي حازت إحداها على جائزة نوبل للآداب.
> يقول نجيب إنه انصهر في المجتمع المصري وعقد مع شرائحه لقاءات يومية وصار يلتقط مفردات أبطال رواياته من زبائن مقاهي «قشتمر والفيشاوي وعرابي والأوبرا وزقاق المدق»، فطبقت شهرته الآفاق وصار من أميز الروائيين العالميين.
> أيضاً تشتهر عدد من العواصم والمدن العربية والغربية بمقاهيها التي صارت مزاراً للسواح وقبلة أنظار الأصدقاء والأهل الذين ينشدون تغيير روتين العمل ويبحثون عن ساعات سمر بريء يبعد عنهم شبح الرتابة والتوتر.
> انتشرت المقاهي القديمة في بيروت ودمشق والقدس والقاهرة ومراكش وشكلت وجدان هذه الشعوب وأسهمت في إشعال ثوراتها وترقية مجتمعاتها، وصارت عنواناً لهذه المدن وإرثاً تحرص على استمراره وتطويره.
> في الخرطوم اختفت المقاهي تدريجياً، وغربت شمسها، فلجأ الناس للخيارات البديلة تحت ظل الأشجار وأمام المستشفيات والمحال التجارية وفي الأسواق، وهو أمر لم يحتمله ولاة أمرنا فحدثت الاحتكاكات وارتفعت الاحتجاجات.
> وبمثلما عاد التوقيت للوراء كما يتحدث الناس هذه الأيام عن «جر الساعة» دعونا نعود لذاك «الزمن الجميل» ونعيد البريق للمقاهي، مع استصحاب التطور الجديد بإضافات جديدة كالذي نراه في أندية المشاهدة وصالات البلياردو ومحال الوجبات الخفيفة والعصائر.
> عندها سنحافظ على وجه العاصمة ونحميه من التشوهات ونوفر أماكن ترفيهية لقطاع عريض في كل الأوقات دون أن تكون هنالك تجاوزات أو مخاوف من تجارة الجنس والمخدرات.

الأعمدة