الإثنين، 21 آب/أغسطس 2017

board

سحابة من توتيل

>  (لا تغمض عينيك في كسلا، فكل شيء هناك يستحق النظر .. السواقي، الجبل والإنسان.. خذ حصتك من الفرجة والإمعان ولا تتنازل عن ذرة من إبهار الخضرة والإبداع).

  >  كلمات أنيقة أرسلها على هاتفي الشاعر المرهف الشفيف والصحافي المخضرم ابن كسلا الوريفة الزميل حسن أدروب، الذي ما أن أخبره بأنني ذاهب إلى أية مدينة في الشرق، حتى يتفجر حنيناً وشجناً، ويمنحني كل ما بداخله من لهفة وشوق لتلك الديار.
> أشاح أدروب بوجهه حزناً هذه المرة «ربما أخفى عني دموعه»، وأرسل رسالته، فعلمت أن انفعالاته تجاوزت حدود المعقول. هذا لأنني ذاهب إلى دياره، حيث مرتع صباه وذكريات الزمن الجميل.
> الذي لا يعلمه «أدروب» أن أولى زياراتي إلى كسلا كانت في عام 2003م عندما قسا «القاش» كثيراً على تلك المدينة الحانية وعاث فيها فيضاناً وتدميراً، فغابت بعض ملامح أحياء الحلنقة والميرغنية، وغمرت المياه غرب القاش والسواقي، وتنادى الجميع لنجدتها، وسُيِّرت القوافل من كل حدب وصوب حتى هدأت غضبة النهر.
> ذات صباح خريفي ارتفع الرنين وجاء صوت الأستاذ جمال عنقرة رئيس مجلس إدارة صحيفة «الأزمنة» متعجلاً للذهاب بأسرع ما يمكن إلى كسلا التي داهمها القاش ليلاً وملأت مياهه الشوارع والمنازل.
> بدأت رحلة شاقة استغرقت يوماً كاملاً بسبب السيول والأمطار التي قطعت الطريق وعزلت المدينة تماماً، ووصلنا عبر طرق ومسارات غاية في الصعوبة واجهنا فيها مخاطر جمة، تغلبنا عليها بحماس البدايات وعنفوان الشباب.
> بدت كسلا شاحبة، حزينة، جزعة للمصاب الكبير، وعاشت أياماً قاسية يغطيها الظلام ويتهدد مواطنيها خطر الجوع والزواحف والحشرات.
> الأوضاع كانت مختلفة قليلاً في حي «الختمية» الأنيق، الذي استعصم بالجبال ونجا من الغرق شأنه شأن كثير من أحياء شرق القاش.
> بكرم فياض استقبلنا الأستاذ عبد الله إبراهيم فكي في داره العامرة، وسهل مهمتنا الصحفية بمنحنا عربته الخاصة للطواف على الأحياء وتفقد المواطنين، ثم الذهاب إلى أمانة الحكومة للحصول على الإحصائيات والوقوف على آخر التطورات.
> كانت مهمة مرهقة لأننا نتحرك في شوارع ممتلئة بالمياه تستهلك الكثير من الوقت للوصول إلى وجهتنا. وتبدأ رحلة سباق جديدة مع الزمن قبل غروب الشمس حتى لا يداهمنا الليل الموحش ونحن في أعلى قمة جبل توتيل نعانق السحب بحثاً عن شبكة الهواتف النقالة لإرسال المادة الصحافية قبل وقت كافٍ من زمن المطبعة.
> في تلك الأيام عقد مجلس الوزراء جلسة طارئة في كسلا برئاسة الرئيس البشير وكل أعضاء حكومته، وتكاتفت الأيدي وتوحد العمل حتى نجت المدينة من كارثة محققة.
> عدنا إلى كسلا أمس الأول رفقة نائب رئيس الجمهورية حسبو محمد عبد الرحمن لحضور المؤتمر التنشيطي للولاية، فشاهدنا لمسات الوالي آدم جماع في طرقات وبنايات وأسواق الولاية، وغمرنا الأهالي بالبشر والترحاب بمختلف لهجات الشرق «دبايوا، أيتنينا، أكوبام» فعادت بنا الأيام إلى الماضي نستدعي ذكريات القاش وهديره الذي افتقدناه خلال هذه الزيارة، وبحثنا عن خطواتنا في الشوارع والأحياء والأسواق.. هل محتها السنين؟
> كسلا مدينة مختلفة تتمتع بسحر وجاذبية مازجت بين النهر والخضرة والجبل، فأنتجت مكوناً يجبرك على أن تهوم وتسرح في عالمه البديع.
> في كسلا يأتيك صوت إسحاق الحلنقي على أجنحة غيمة مشبعاً برائحة الطين والجروف وحنين السواقي وشقشقة العصافير:
كلمني قول لي فاكر ليالي القاش
لما الحنين عاودني لعطفك الجياش
جفيت حبيب ما خانك من نور بسيمتك عاش
أنا تاني ما بتلقاني يوم في طريقك ماش
قاصد مكان في كسلا