الإثنين، 21 آب/أغسطس 2017

board

فانتازيا كرري وعملية «الذراع الطويل»

>  في يوم ساخن من أيام شهر مايو من عام «2008م»، نشطت الحركة داخل مباني صحيفة «ألوان». تبادلنا التحايا والسلام، وانخرط الجميع في تنفيذ مهامه وتكاليفه بصورة اعتيادية و.... وفجأة دوى الانفجار...

> أصوات الرصاص اخترقت آذاننا في المكاتب، وتكاثرت الاتصالات متسائلة عما يحدث؟ سحب من الدخان غطت سماء أم درمان، وفوضى كبيرة عمت شوارع الخرطوم.. الكل يتحرك في أكثر من اتجاه بلا هدى، وامتلأت الطرقات بالدبابات والقوات النظامية، وسط تهليل وتكبير المواطنين.
> أُغلقت الكباري أمام حركة المرور، ومُنع الجميع من العبور إلى الضفة الأخرى.. وفي بداية الأمر لم يكن أحد يدري ما حدث، وشيئاً فشيئاً علمنا أن حركة العدل والمساواة تحاول دخول أم درمان وتصدت لها قواتنا الباسلة في معركة ضارية وملحمة تاريخية، دافع فيها أبطالنا حتى آخر قطرة من دمائهم، وكبدوا العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.
> ووسط  هذا الهرج، كنا نبحث عن وسيلة نصل بها إلى أم درمان، واجتهدنا بشتى السبل. ولكن في كل الحالات كانت الإجابة واحدة وحاسمة: «ممنوع».
> قلق كبير انتابنا على أسرنا وأطفالنا.. قلتُ لرفيقَي الأستاذيْن حسن محمد صالح وكرار تنير: «لم يتبق لنا إلا عبور النيل سباحة». ولكن تلاشى هذا «الخاطر المستحيل» عندما أكدوا لنا أن الرصاص وصل حتى المياه.
> تسلل اليأس إلى دواخلنا مع غروب شمس العاشر من مايو، وصرنا نبحث عن مأوى إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
> اقترح علينا «حسن» أن نذهب لمنزل الأستاذ محجوب عوض الكريم «رحمه الله»، لأن منزله قريب من كوبري شمبات، ويمكننا أن نجدد المحاولة في الصباح الباكر بعد هدوء الأحوال.
> استقبلنا محجوب وأسرته بترحاب كبير، وحاول  تخفيف قلقنا بحديثه الممتع وحكاويه الشيقة ودعاباته اللطيفة.
> ليلة مليئة بالتوتر لم ننتظر حتى تكتمل ساعاتها، وتوجهنا صوب الكوبري في محاولة أخيرة نجحت قبل الساعات الأولى من الصباح. عبرنا «راجلِين» دون أن نحس بطول المسافات.
> معظم أهالي بيت المال وأبو روف كانوا ينتظرون ذويهم على امتداد الطريق، وانطلقت الزغاريد والهتافات فرحة بانتصار قواتنا وعودة الأحباء إلى ديارهم سالمين.
>  مع شروق الشمس وملامسة أول خيوطها لوجوهنا المتعبة، هبت نسمة حملت معها رائحة شاطئ أبو روف الرائعة.. رفيقي كرار تنير، رجل مرهف يحتل الشجن مساحات كبيرة في دواخله.. ملأ رئتيه بهواء نظيف، وانساب صوته الجميل بعفوية يدوزن كلمات خليل فرح:
من فتيح للخور للمغالق
من علايل أبو روف للمزالق
قدلة يا مولاي حافي حالق
بالطريق الشاقي الترام
>  لم تمض سوى ساعات معدودة على وصولنا لمنازلنا، حتى رن الهاتف يحمل تهانئ الأستاذ حسين خوجلي بالنصر، ومعلناً أنْ «هيا إلى العمل».
>  كان الطريق إلى الصحيفة محفوفاً بالمخاطر، ومعظم شوارع أم درمان مغلقة، وانتشرت نقاط التفتيش بكثافة ولا يتم التحرك إلا بإذن صادر عن الجهات المختصة.
> أستاذ حسين كان يتابع تحركاتنا في أم درمان عبر الهاتف، ويقوم بنقل حيٍّ لمباراة المريخ وهايلاندرز الزيمبابوي في استاد الخرطوم، وصيحات الجماهير تتعالى مع لمسات «العجب» وأهدافه الساحرة.
>  المباراة كانت رسالة بليغة أثبتت للعالم أن الخرطوم آمنة، وأن سحابة الخوف انقشعت وعادت الحياة إلى طبيعتها.
 > كان السائق يدير مؤشر الراديو متنقلاً بين الموجات التي اتفقت جميعها على بث الأناشيد الوطنية. إطارات العربة تتراقص بمهارة لتفادي بعض الجثث وسيارات العدو المحترقة أمام «حوش الخليفة».
>  قلت لرئيس التحرير: (ما يحدث أمامنا يبز (فانتازيا كرري) لعبد الباسط سبدرات وعادل إبراهيم محمد خير).. ضحك حسين وهو رجل يحب التلميحات والتعليقات الذكية ورد بعفوية: «ساعة الدواس بظهروا الفرسان».
> الآن وبعد تسع سنوات من عملية الذراع الطويل، خسرت حركة العدل والمساواة كل أراضيها في الميدان بعد عمليات حاسمة في «قوز دنقو» و«جبل مرة». وضربت الانشقاقات جسدها المنهك، وانضم قادتها السياسيون والميدانيون لركب السلام بقيادة السنوسي ومهدي جبل مون.
> في ذكرى الهجوم على أم درمان، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل الشهداء، وأن يعم السلام والأمن ربوع وطننا الحبيب.