الجمعة، 21 تموز/يوليو 2017

board

تمديد العقوبات على الشعب السوداني

> قبل ستة أشهر من الآن أصدر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أمراً تنفيذياً قضى برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان منذ عام 1997م،

وقال إن القرار سيتم تأجيله لمدة «180» يوماً بهدف تشجيع الخرطوم على بذل مزيدٍ من الجهود في مسارات السلام الداخلي ومكافحة الإرهاب والتعاون في القضاء على جيش الرب وتسهيل مرور المساعدات الإنسانية للمتضررين بالمنطقتين «جنوب كردفان والنيل الأزرق» والإسهام في سلام دولة جنوب السودان.
> طوال فترة الستة أشهر الماضية واصلت الحكومة خطواتها الجادة ولم تقصر في الإيفاء تجاه المسارات الخمسة. وأعلن رئيس الجمهورية المشير عمر البشير أكثر من مرة عن وقف إطلاق النار لإحلال الأمن والسلام في المنطقتين ودارفور، لضمان سهولة انسياب المساعدات الإنسانية للمتضررين.
> وجاء الحوار الوطني شاملاً لتعزيز فرص السلام الداخلي وتهيئة الأجواء بمشاركة قطاعات عريضة من أبناء الشعب السوداني في الحكومة الجديدة دون إقصاء لأحد، ثم كان الدور الملموس والمؤثر في مكافحة الإرهاب وتهريب البشر وردع تحركات جيش الرب وتقديم المساعدات لشعب جنوب السودان واستقبال النازحين في معسكرات بعدة ولايات سودانية، مع الدعوات للأطراف المتصارعة بضبط النفس والدعوة لحوار شامل ينهي الحرب القبلية في دولة الجنوب.
> برغم كل ذلك أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أمس أمراً تنفيذياً بتمديد قرار رفع الحظر عن السودان لثلاثة أشهر أخرى لمراجعة الأوضاع والوقوف عن قرب على قضايا حقوق الإنسان!
> الإدارة الأمريكية اعترفت بإحراز السودان تقدماً ملموساً في جميع المجالات المدرجة، لكنها ارتأت أخذ مزيدٍ من الوقت لإثبات أن الخرطوم حافظت على الإجراءات الإيجابية لتحقيق السلام وإزالة العوائق المتبقية أمام إيصال المساعدات الإنسانية وتعزيز التعاون لمكافحة الإرهاب وبسط الاستقرار الإقليمي.
> قرار التمديد كان متوقعاً لكثير من الدوائر والمراقبين، خاصة بعد البيان الشهير الذي أصدرته السفارة الأمريكية في الخرطوم وعبرت فيه عن قلقها إزاء سجل حقوق الإنسان.
> نعم .. زجت السفارة بحقوق الإنسان في توقيت صعب برغم أنها شأن داخلي لا علاقة له باشتراطات رفع العقوبات ومساراتها الخمسة، إلا أن المقصود كان المزيد من المماطلة وتهيئة الأجواء لقرار التمديد الذي تحرص فيه واشنطون على حقوق «إنسان» تفرض عليه حصاراً ظالماً وتمنع عنه الغذاء والدواء لعشرين عاماً، دون الاكتراث لدعواته ومناشداته المستمرة بأنه المتضرر الأكبر من هذا الحصار وليس الحكومة.
> أسلوب ابتزازي مرفوض يهدف لمزيد من الخنوع والإذلال، خاصة بعد إيفاء السودان بما عليه من التزامات، ولذلك نقول إن إقحام مسار غير موجود أصلاً في الاشتراطات يفتح الباب أمام مسارات أخرى ومسرحية لن تنتهي فصولها قريباً.
> ملف حقوق الإنسان ما هو إلا إضافة تحدث لتمارس واشنطون عبرها المزيد من الضغوط لتكسب أراضي وتنازلات جديدة من الخرطوم. وحسناً فعل الرئيس البشير عندما أصدر قراراً جمهورياً بتجميد لجنة التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية حتى 12 أكتوبر 2017م.
>  رسالة واضحة تقول للأمريكان وجماعات الضغط إن السودان أوفى واكتفى بتعهداته للمسارات الخمسة، وحاور بما فيه الكفاية ليقنع إدارة ترامب باتخاذ القرار الصحيح، وسننتظر معكم إلى أكتوبر المقبل لنرى كيف تحكمون.
> صحيح أن الآمال كانت كبيرة ومتطلعة لقرار إيجابي ينهي مشواراً طويلاً من الرهق والمعاناة، ولكن هذا هو حال السياسة الأمريكية مع شعوب العالم. تمنحك الوعود ولا تفي بها، بل تراوغ وتناور وكأنها تتلذذ بعذاب الآخرين.
 > وبرغم قناعتنا الشخصية بأن هذه السياسة لن تتغير قريباً، إلا أن ذلك لا يمنعنا من قراءة قرار التمديد بوجه آخر نستصحب فيه بعض الأحداث التي جرت خلال الستة أشهر الماضية ولا يمكن عزلها عن المؤثرات التي دفعت ترامب لاتخاذ هذه الخطوة.
> فالأزمة الخليجية ألقت بظلالها على المنطقة العربية ككل، وانشغلت السعودية والإمارات بتطوراتها. وبحسب ما رشح من أخبار فإن «الرياض وأبو ظبي» يعتبران من أكبر الداعمين للتقارب السوداني الأمريكي، وربما أبطأت التطورات في ملف الخليج خطواتهما للضغط على واشنطون.
> أما مصر فلن تستطيع التبرؤ من تسببها بطريقة أو بأخرى في قرار التمديد والإرجاء، لأنها سعت حتى عسكرياً لهذا الهدف بدعمها قوات اللواء خليفة حفتر في ليبيا ودولة جنوب السودان، لتحريك ودعم متمردي دارفور وإحداث بلبلة في الإقليم، وبذلك يؤثرون فعلياً في أحد المسارات الخمسة.
> ولن ننسى بالطبع دور اللوبي الصهيوني وتوقيعات نواب الكونغرس الذين يفتحون آذانهم للروايات المفبركة حول ما يجري في دارفور ودولة الجنوب، ويتخذون على ضوئها مواقفهم وقراراتهم الصادمة دون الوقوف على الحقائق.
> وحتى لا نرهق أنفسنا في «الجري وراء السراب» علينا البحث عن تحالفات جديدة تجسر الهوة التي يخلفها القرار الأمريكي المتأرجح، والذي يبدو أنه يتعمد إدخالنا في دوامة الترقب والانتظار لإضعاف صورتنا وتمييع قرارارتنا وإجبارنا على التماهي مع ما يريدونه.
> وعلينا اتخاذ تدابير وإجراءات صارمة تكبح جماح الدولار وتمتص الآثار السالبة على المواطن العادي البسيط الذي أفرط في التفاؤل في الفترة الماضية، وانتظر انقشاع سحابة الظلم عن سماواته بعد سنوات من المعاناة.
> لم تعد «الجزرة الأمريكية» حافزاً مغرياً للمواطن السوداني حتى ينتظر حصادها، لأنه صبر بما فيه الكفاية، وعليه ترتيب البيت الداخلي والالتفات إلى الإنتاج والتنمية بمساعدات «شرقية» تمنح العملاق الروسي فرصاً في أرض الخيرات وتصافح التنين الصيني لتعود الأمور إلي نصابها الصحيح.