الخميس، 19 تشرين1/أكتوير 2017

board

> في «26» مارس الماضي، نشرت صحيفة «الإندبندنت» إحدى الصحف البريطانية العملاقة، النسخة النهائية من طبعتها الورقية بعد «30» عامًا على صدورها، تحولت بعدها إلى صحيفة إلكترونية. > وفي العدد الأخير من الصحيفة، كتب مالكها «ليبيديف» العبارات التالية: «قبل ست سنوات اشترت عائلتي واحدة من أعظم الأسماء في تاريخ وسائل الإعلام، ولكنها، كانت تخسر «25» مليون جنيه سنويًا، وفي كل يوم كان قُرّاؤها فقط أكثر من «100» ألف للنسخة الورقية، ونحو نصف مليون قارئ على الإنترنت». > صحيفة بكل هذه الإمكانيات والشهرة والتاريخ العريض، اُضطرت اضطراراً مع متغيرات العصر، أن تطوي نسختها الورقية وتتحول بكلياتها إلى عالم الأسافير والفضاء العريض، لتبدأ تجربة جديدة تصارع فيها لأجل كسب مزيد من القراء والانتشار والإعلان. > الذي حدث لـ «الإندبندنت»، ليس ببعيد عن واقعنا الصحفي الراهن. مهددات كبيرة تواجه صحافتنا الورقية، أكبرها تراجع العنصر الرئيس وهو القارئ وإحجامه عن الذهاب للمكتبات لشراء نسخته من صحيفته المحببة. ما فائدة ما نكتب ونصنع إن لم يجذب ما ننتجه، قراءنا للمكتبات؟ كل الصعوبات والمهددات التي تواجه صناعة الصحافة الورقية في عصرنا الحالي، لن تؤثر عليها بقدر إحجام القراء عنها. > دعونا نتحدث في حدود المدى الزمني الذي قاله «ليبيديف» ــ أي قبل ست سنوات. وإذا أخذنا «الإنتباهة» كمثال، فإننا نجد أن عدد النسخ المطبوعة لهذه الصحيفة في اليوم الواحد من العام «2010م» وصل إلى «70» ألف نسخة، وتصاعد في السنوات التالية حتى وصل إلى «125» ألف نسخة. وبعد دخول وانتشار التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي ومشاركتها ومزاحمتها للصحف، بدأت أرقام طباعة وتوزيع كل الصحف السودانية بلا استثناء، تتناقص بصورة مخيفة، مما خلق واقعاً اقتصادياً جديداً داخل المؤسسات الصحفية، أجبرها على الاستغناء عن بعض كوادرها وتقليل عدد النسخ والصفحات الملونة وزيادة سعر الصحيفة لمجابهة ارتفاع كلفة صناعتها. > اُضطرت المطابع لزيادة الأسعار لتتمكن من سداد قيمة مدخلات صناعة الصحف من أوراق وأحبار وقطع غيار وكوادر عاملة. خاصة وأن أسعار الدولار تتباين صعوداً وهبوطاً. القارئ وهو العنصر الأساس والمؤثر، تثاقلت خطواته تجاه المكتبات بصورة كبيرة، وتحولت مساراته نحو هموم حياتية أخرى جعلته يلجأ إلى التكنولوجيا الحديثة لإشباع نهمه للقراءة. فهو في منزله أو في المواصلات أو في مكان عمله، ما عليه إلا أن يفتح هاتفه الجوال ليطالع كل ما أنتجته صحف الخرطوم على تطبيق «الواتساب» أو «الفيسبوك» في دقائق معدودة دون أن يكلفه ذلك أكثر من جنيه واحد. > صارت الصحافة الورقية مكشوفة حتى قبل أن توزع في المكتبات، ويتم تداول صفحاتها الأولى ليلاً على الهواتف قبل أن تعانقها أعين القراء صباحاً.. وفي المقابل، احتلت المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، المراكز الأولى في عدد الزوار. وصار مديرو المواقع و«القروبات»، أشهر من بعض رؤساء تحرير الصحف. > ناقشنا قبل أيام، مع مجموعة من مديري التحرير ورؤساء الأقسام في دورة تدريبية بمباني الأكاديمية العليا للدراسات الإستراتيجية والأمنية في الخرطوم، وخلال محاضرات، دورة مهارات أخلاقيات العمل الصحفي التي نظمها المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحفية، ناقشنا هموم وتحديات المهنة من واقع يومي نعيشه داخل مؤسساتنا في ملاحقة الخبر والمعلومة.. واقع تختلط فيه رائحة الورق وحبر الطباعة مع صناعة الأفكار. وتحقيق السبق الصحفي مع رائحة الشاي والقهوة. واقع الشد والجذب بين المسؤول والصحافي وغياب المعلومة. واقع اقتصادي يفرض تأخر مرتبات العاملين، ويقلل بنود الصرف على المادة الصحفية، واقع إحجام المؤسسات الصحفية عن تدريب كوادرها وتأهيلهم إلا ما ندر مما أثر على الأداء المهني العام. > أكثر من صحيفة عجزت في السنوات الماضية عن إكمال المشوار فأغلقت أبوابها وتشرد العاملون فيها وسط حسرات وآهات الزملاء وخوفهم من أن يأتيهم الدور قريباً. أقسى درجات الألم التي يعانيها الصحافي عندما يحتجب «لوغو» صحيفة ويرى زميله بلا عمل.. ألمٌ لا يُقارن بأمراض الصحافيين وعللهم المزمنة.. فمعظمهم يعاني من الضغط والسكري والقلب. > ظروف ضاغطة تعيشها معظم الصحف بمختلف تخصصاتها، يفرض على المهتمين وأصحاب الشأن في هذا المجال ضرورة التفكير في كيفية تطوير المؤسسات الصحفية الموجودة حالياً وتقديم رؤى مستقبلية لتكون مؤسسات راسخة تهتم بتطوير الأداء المهني وبيئة العمل وتوفير معينات الحياة لكوادرها. > ويجب على الدولة، إن تنتبه لواقع الصحف الآن، وتستجيب للنداءات المتكررة بإعفاء مدخلات صناعتها من الإجراءات الجمركية والضرائب، إلى جانب تمليك المسؤولين المعلومة الصحيحة للصحافيين وعدم حجبها حتى لا يضطر الصحافي للاجتهاد فيقع في المحظور، ويترتب على ذلك إجراءات تضر بالمؤسسة وتدفع بالملفات إلى ردهات المحاكم. > ويجب علينا نحن الصحافيين، المحافظة على بريق وألق صحافتنا الورقية بالتوجه نحو الصحافة الاستقصائية، والملفات الساخنة، والتحقيقات الميدانية، والأخبار الطازجة التي نحقق عبرها السبق الصحفي، إلى جانب التحليل وقراءة مستقبل الراهن السياسي والاجتماعي والاقتصادي والرياضي، برؤى عميقة وكتابات جاذبة نعيد بها المشهد المحبب لنا كصحافيين عندما نرى تزاحم القراء على المكتبات لالتهام ما صنعناه لهم بجهد كبير ممهور بدمائنا وعرقنا. > هي دعوة لنتحد سوياً.. نفكر وندرس ونحلل ونقترح حلولاً لتدارك الأمر قبل أن تطوي صحفنا نسخها الورقية وتغلق دورها، ويضطر الناشرون إلى ترديد عبارات مالك «الإندبندنت».

الأعمدة

د. حسن التجاني

الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017

خالد كسلا

الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017

إسحق فضل الله

الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017

الصادق الرزيقي

الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017

د. حسن التجاني

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

خالد كسلا

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

بابكر سلك

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

إسحق فضل الله

الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017