الجمعة، 20 نيسان/أبريل 2018

board

(كورال عصافير) في حنجرة (الفلاتية)

(1)
> غنت في ثلاثنيات القرن الماضي لسمسم القضارف، فتدفق المحصول وتكاثرت ثماره حتى أحرقوا الفائض منه في ترف بعد أن عجزت المخازن عن احتماله.

> وغنت لصباح العيد، فتلمسنا (العيد) في غير موعده بالكعك والحلاوة وهدوم العيد، وتبادلنا التهاني والتبريكات وكل سنة وأنتم بخير.
> غنت لـ (الليمون) فشربناه بغير عصر – بسكر زيادة، ونكهة أصيلة.
> وغنت لـ (البلال) فتلفحنا (عممنا) بغير مناسبة.
> غنت للجيش فمشينا مشية الجنود في الشوارع والطرقات، وامتلأنا فخراً بهم.
> وعندما غنت (الدار الما داري) خرجنا نستوثق من (أبواب) ديارنا، ونسترجع (شهادات) بحثها..وسرنا مع (القمري) بكامل إرادتنا وقوانا العقلية.
> إنها عائشة الفلاتية.
(2)
> أحس بالحسرة عندما يتم مقارنة أم كلثوم بعائشة الفلاتية، وأشعر أننا نظلم عائشة الفلاتية كثيراً عندما يقال إن عائشة الفلاتية هي (كوكب السودان) تنقيصاً من (كوكب الشرق) اللقب الذي يطلق على أم كلثوم.
> نعرف أن أم كلثوم أكثر شهرة وتأثيراً من عائشة الفلاتية، وذلك لأن أم كلثوم خرجت من بيئة مساعدة ووجدت إعلاماً أكثر قدرة من الإعلام السوداني، كما أن أم كلثوم ثقافتها الفنية أكبر من عائشة الفلاتية، لذلك كان تنوعها الموسيقي وتعدد مدارسها الشعرية التي غنت لها.
> لكن من حيث الإمكانيات الصوتية، فإن الفلاتية لا يضاهيها أحد إلّا إذا تمت مقارنتها بـ (فيروز) أو (أسمهان)، لتبقى الغلبة أيضاً في النهاية للفنانة الراحلة عائشة الفلاتية.
(3)
> أشعر أننا ظلمنا هذه الفنانة كثيراً وهي لم تجد من حقها غير (معاشر) مما تستحق.
> أسعدني أن ذكرى رحيل عائشة الفلاتية الـ (44) هذه المرة وجدت شيئاً من الوفاء.
> وأسعدتني سهرة (رحيق الورد) التي قدمتها قناة النيل الأزرق عن عائشة الفلاتية، وقدمت من خلالها أغنيات للفنانة الراحلة، أكدت من خلالها الفلاتية أنها سبقت جيلها، وسبقت هذا الجيل أيضاً وهي تقدم أغنيات شديدة الرقي والروعة.
> أغنيات عائشة الفلاتية ذات كلمات غارقة في (الرومانسية)، أما ألحانها، ففيها شيء من (نسمات الصباح)، أما صوتها، فهو أبعد من الوصف والكلمات، لأن الموصوف أعلى قيمة من الصفة.
> سمعت في ذكرى رحيل عائشة الفلاتية التي رحلت في 23 فبراير 1974م حلقة قدمتها إذاعة (البيت السوداني) مع عائشة الفلاتية جمعتها بإسماعيل عبد المعين، كانت فيها عائشة الفلاتية خُلاصة للحياة السودانية بكل عفويتها ونضارتها.
> استوقفني أن عائشة الفلاتية كانت في البرنامج تقف بين الفينة والأخرى لتشكي من مرض (السكر) الذي أرهقها وأتعبها كثيراً، حتى أني لعنت (السكر) ألف مرة، وقلت في نفسي لو كان مرض (السكر) رجلاً لقتلته.
(4)
> الناقد المصري الكبير رجاء النقاش، كان يدعي أنه هو من اكتشف الطيب صالح، وكان يشعر بفضله على (عالمية) عبقري الرواية العربية.
> الحقيقة أن رجاء النقاش ما كان سوى (عتبة) مهمة في مسيرة الطيب صالح، وضعتها الصدفة أو الأقدار في طريقه، وكان يمكن أن يقوم بما قام به رجاء النقاش غيره.
> وليس هناك دليل على أفضلية الطيب صالح على رجاء النقاش أكثر من أن أهم ما يُعرف به رجاء النقاش في سيرته (أنه اكتشف الطيب صالح).
> أقول ذلك، لأني أشعر بالكثير من الظلم والإجحاف في تغلب الثقافة المصرية على ثقافة السودانية التي أعطت كل هذه العبقريات وكانت الأكثر عمقاً وأصالةً.
> لماذا نغلِّب ما هو (مصنوع) على ما هو (طبيعي) و (فطري)؟.
(5)
> وفي ذكرى عائشة الفلاتية استوقفني أيضاً وثيقة نشرها الزميل محمد حامد جمعة نوار على صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي لعمر الحاج موسى في 24 فبراير 1974 وهو رئيس المجلس القومي لرعاية الأدب والفنون، ينعي من خلالها عائشة الفلاتية جاء فيها :
> (وارينا اليوم، في مكان مهجور بمقابر حمد النيل الحنجرة التي أول من غنى الى أبنائنا الجنود ورتل (يجوا عايدين).. يؤسفني أن أنعى عائشة الفلاتية التي شجاكم صوتها، حلاوته.. ورقته.. ودفؤه. لقد ذهبت أمس الى الدار الباقية.. اللهم إن ذنوب عائشة لا يضرك.. وإن رحمتك إياها لا تنقصك.. فاغفر لها ما لا يضرك.. واعطها ما لا ينقصك..اللهم لا تخيب رجاءنا فإنا لك وإنا إليك راجعون ولا حول ولا قوة إلا بك).
> آمين يا كريم..