الأربعاء، 17 كانون2/يناير 2018

board

مئوية المك رحال 

صعد شبان أقوياء يتسلقون جبلاً شاهقاً شمال شرقي مدينة كادقلي، تسلقوا إلى قمته وهناك على قمته كتبوا وبخط عريض و(ببونط) كبير عبارة ( الله أكبر .. مئوية المك رحال أندو كادقلي)  ، وهو اسمه ...أعنى ( رحال أندو كادقلي ) ، فهو الجد الأكبر لقبيلة كادقلي،

وتكتب أيضاً كادوقلي .. كتب أولئك الشبان - من تشكيليي مدينة كادقلي التي سميت تيمناً بالمك الأكبر - العبارتين المذكورتين بطول ثلاثة عشر متراً للحروف العمودية على قمة الجبل المواجه للمدينة من الناحية الشمالية الشرقية، وتحت هذا الجبل من الجهة الجنوبية يوجد مقر مكوكية كادقلي ومنزل المك رحال الجد الأكبر في حي عريق قديم يسمى (حجر المك) ، وهو المكان الذي استقبل حشود وضيوف ووفود المئوية .
عبارة( الله أكبر) .. مئوية المك رحال أندو كادقلي على قمة جبل حجر المك مثلها عبارة ( كادقلي الصمود .. حصنوا أطفالكم ) التي كتبها  تشكيليو وزارة الصحة بولاية جنوب كردفان، إدارة التحصين الموسع، تلك الإدارة النشطة التي يشهد لها الجميع بالتميز والإبداع، كتبوا تلك العبارة الأخيرة على قمة جبل آخر تحته حيين عرقين هما ( تافيري ، وحجر النار ) في الجهة الشمالية الغربية للمدينة ، هذه العبارات المكتوبة على قمتي الجبلين يراها القادمون إلى مدينة كادقلي بكل وضوح ، ويراها الناس من داخل كادقلي بكل وضوح من داخل أحياء المدينة، ويراها الناس من مناطق بعيدة أيضاً بوضوح شديد خاصة، المناطق الجبلية المرتفعة، ولذلك شكلت لوحة جميلة ذات دلائل حضارية وثقافية وفنية راقية . أكتب تلك السطور عن هذه المناسبة ( مئوية المك رحال )  التي -وحسب مشاهدتي ومتابعتي- أعتقد أنها  ليست بالمناسبة العادية التي يمكن أن يتجاوزها الكاتب والمحلل الصحافي إلى غيرها من مناسبات، ولذلك هي حسب تقديري تعد مناسبة مهمة غير عادية، مثلت حراكاً ثقافياً واجتماعياً وتراثياً مهماً، شهدت فعالياته المدينة على مدار أكثر من أسبوع في تظاهرة جماهيرية تقودها   رموز اجتماعية وسياسية وشبابية بقيادة لجنة عليا رتبت لهذه المناسبة التاريخية بقيادة المك محمد رحال أندو كادقلي مك عموم كادقلي.
جاءت وفود وحشود كثيرة من بطون الجبال، وأعداداً كبيرة من المتمردين وحاملي السلاح جذبتهم تلك المناسبة، وعاود وجدانهم الحنين  المثقل بمرارة الهجران والمنافي الاختيارية ، وآلام فراق الأبناء والأهل والأنداد والأصدقاء، ومراتع الصبا، ومنارات تاريخية في المدينة مثل مدرسة تلو، ومصنع نسيج كادقلي المحتضر، ومعالم مؤسسة جبال النوبة الزراعية التي تفرق دمها بين المؤسسات، ومدرسة القصر، وشلال ( كلبا ) الساحر ، ومعالم أخرى كثيرة، كل هذه المشاهد والذكريات الباقية على جدران تلك النفوس التي عاودها الحنين، وجدت في مئوية المك رحال مناسبة كسرت بها القيود وتجاوزت بها المسافات والحواجز الأمنية والمعنوية وتدفقوا من المنافي الاختيارية كالسيل الجرار، اختلطوا بأهلهم نهاراً وليلاً، رآهم الناس وعرفوهم وتسامروا معهم وتواصلوا وتحاوروا معهم، ورأتهم الأجهزة الأمنية وعرفتهم رجالاً ونساءً وغضت الطرف عنهم عن قصد ومراد . وحسناً فعلت حكومة جنوب كردفان عندما لم تسائل أحداً منهم، مما مثل إحساساً حقيقياً لديهم بالثقة فاحتفلوا مع أهلهم وذويهم بمرور مائة عام على رحيل الرمز الكبير المك رحال، وتداخلت وامتزجت دموع الفرحة وحرارة الرؤية والعودة والمشاهدة مع غبار السنين العجاف التي انقطعت فيها حبال الوصل واللقيا والسمر ، وبذلك مثلت المناسبة منبراً للسلام والوئام العفوي الاختياري، وهنا لابد من تحية تقدير وشكر للجنة العليا التي أعدت ورتبت لهذه المئوية التي مثلت  مبادرة مهمةً من مبادرات تعزيز السلام وبناء الثقة. السيد مساعد الرئيس رئيس وفد التفاوض الحكومي المهندس إبراهيم محمود تزامن مجيئه على رأس وفد كبير إلى كادقلي لحضور فعاليات اجتماع مجلس شورى المؤتمر الوطني .. تزامن مع انطلاق احتفالات المئوية ، حيث زار بوفده الكبير ساحة الاحتفال في حجر المك ، التي ضجت بالحشود والزوار والوفود، الذين جاءوا من مناطق عديدة داخل الولاية، ووفود من الولايات المختلفة أكبرها وفد ولاية الخرطوم الذي حمله ثلاثة عشر بصاً، فضلاً عن آخرين جاءوا بوسائل مختلفة ، وجاءت وفود من خارج السودان ، من أمريكا وأستراليا وأوروبا من أبناء النوبة في تلك القارات .
روايات وأحاديث كثيرة تواترت حول الحكمة وبعد النظر الذي كان يتصف به المك رحال، وحسن تواصله مع زعماء وأمراء القبائل الأخرى ، الأمر الذي أرسى  دعائم متينة للتعايش والسلام في منطقة واسعة تمثلها اليوم أكثر من خمس محليات، وكان له تواصل كبير ومستمر خارج هذه الحدود أيضاً، وما دلل على ذلك وفود القبائل والإدارات الأهلية والأمراء والنظار الذين شاركوا في المئوية من مناطق كثيرة، تؤكد مكانة الرجل الرفيعة والمحفوظة لديهم، والوفود التي جاءت من الخرطوم ومدن أخرى لم تقتصر على أبناء النوبة فحسب، بل شملت أعداداً  كبيرة من قيادات جنوب كردفان على اختلاف قبائلهم ومناطقهم  ومشاربهم، كما أن المئوية وجدت رعاية طيبة من حكومة ولاية جنوب كردفان بقيادة والي الولاية اللواء عيسى آدم أكبر، واهتماماً كبيراً من المجلس التشريعي بقيادة رئيس المجلس السر عبد الرحيم، حيث استضاف المجلس مناقشات وترتيبات واجتماعات اللجنة العليا للمئوية . ومما تواترت الروايات عنه  أن الإنجليز لما أردوا ترحيل مجموعة سكانية كبيرة من سكان مناطق  شمال كادقلي إلى منطقة سنار  خشية من أن ينشروا الإسلام في تلك المنطقة التي أغلقت ، تصدى لهم المك رحال وطلب أن يستقروا شمال كادقلي، ومن تلك المناطق منطقة البرداب الحالية شمال مدينة كادقلي .
إن تجربة المئوية تجربة ناجحة يمكن أن تُحتذى وحريٌ أن تكون إحدى دعائم السلام والاستقرار في المنطقة .

الأعمدة

خالد كسلا

الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

بابكر سلك

الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

إسحق فضل الله

الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018