الثلاثاء، 24 نيسان/أبريل 2018

board

غلاء السوق بين شرود العقل وهزة اليقين !!

لا أحد البته ينكر أثر الصدمة الاجتماعية والنفسية العنيفة التي ضربت قطاعا عريضا من المجتمع إن لم يكن أكثر من ثلثيه جراء الجنون والانفلات المدوي المفاجئ الذي بلغته أسعار السلع ...وليست السلع الثانوية والحاجات الكماليات فحسب ، بل في السلع الإستراتيجية الضرورية اليومية في حياة الناس ،

تتوقف عليها حياة الناس ولا تستمر وتستقر - بعد الله - إلا بها ، ولهذا تبلغ الأزمة حدها ومنتهاها في المعاناة وشدة الحاجة ، وأهمية استدعاء العاطفة الإنسانية المجردة تجاه مجتمع أصابته الأزمة في مقتل قاتل .
نعم لا أحد ينكر فظاعة الهلع والوجع ، والذهول والهول والقلق والتوتر ، والشعور بالقتامة وضعف الأمل في عودة السيطرة على جنون السوق وتمرده وقسوته على الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل والمعاشيين وأصحاب الدخول المحدودة التي يمكن أن نسميها الآن المعدومة ، نتيجة اتساع المقارنة بينها وحركة السوق الزيادة فيه التي صارت هذه الأيام لا تقاس بالشهر والأسبوع ، بل والله بالدقيقة والثانية ...أي والله أعني ما أقول ...قبل خمسة أيام ذهبت لشأن آخرين مكلفاً بشراء سلعة محددة باعنا إياها صاحبها بمبلغ ألفين ومئتين عن رضى منه ، وأخذ عربونا عليها من المبلغ وقصرت نقودنا عن السعر المطلوب ، فلما رجعنا وعدنا إليه  بعد دقائق ، ورغم أخذه العربون أبى ونقض البيع وعرضها علينا بزيادة 800 جنيه بعد دقائق والله على ما أقول شهيد ! .
نعم استغل كثير من التجار هذه الأزمة وخرجوا على قيم وأعراف التجارية شرعاً وقانونا القائمة على البيع السمح والشراء السمح ، والقضاء والاقتضاء السمح الذي أشار إليه أحد أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يعد عمدة في باب التجارة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( رحم الله رجلاً سمحا إذا باع وإذا اشترى ، وإذا قضى وإذا اقتضى ) ، أي أخذ حقه بالعدل والقسطاس ، وأدى ما عليه بالعدل والقسطاس ، لم يخسر ولم يطفف المكيال والميزان ، وكان سمحا في الدين أداء ومطالبة ، وهذه قيمة شرعية تركها التجار ، لأنه لا توجد في الدولة ومستويات الحكم إدارة شرعية مختصة فاعلة معنية بفقه البيوع وحمل من يعمل بالتجارة الالتزام بفقه البيوع ، وتدريبهم عليه ومراقبتهم ومتابعتهم إذا حادوا عن جادة الطريق ، كما لا توجد قوانين منظمة للمهنة إلا وتتعارض مع سياسة التحرير الاقتصادي التي أثبتت هذه الأيام أنها خطيرة جدا على حياة الضعفاء ما لم تضبط بلجام تدخل الدولة عند المفسدة والحاجة والشدة المقرر في منهج الاقتصاد الإسلامي ، الذي يقوم على قاعدة أصولية صلبة ، هي ( لا ضرر ولا ضرار ) ، ولذلك الآن الدولة مدعوة واجبا أن تتدخل انطلاقاً من هذه القاعدة التي ذكرتها آنفاً قبل قليل .
هنالك قضية أساسية لابد من التوقف عندها مليا وهي هل من أحد ينكر أن الرازق والمعطي والمانع هو الله تعالى ؟ ، وهل من أحد ينكر أن الله فضل بعض الناس على بعضهم في الرزق ؟ ، ومن الذى ينكر أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها ؟ كما أنه واجب علينا أن نتذكر قيمة الصدق والأمانة وتحري الحلال في كسب الرزق وإنفاقه في وجوه الحق لا الباطل ، وكم مهم لنا أن نكثر من الحمد والشكر لله رب العالمين ، ليبارك في أرزاقنا ويزيدها ، وهو من وعده سبحانه الذي لا يتخلف ، قال تعالى ( لئن شكرتم ﻷزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ) ، كما مهم علينا أن نحسن الظن بالله تعالى ونتوكل عليه حق التوكل قبل الاعتماد على النفس وحلول وإجراءات الدولة ، وهنا يستدعي الأمر أن نناقش فكرة مهمة هي أن كثيراً من الإخوة الزملاء الكتاب والصحافيين والإعلاميين في خضم الإجراءات الاقتصادية الحادة وما صاحب إجازة موازنة 2018 من جدل وما أعقبها من انفلات السوق ، وارتفاع تكاليف المعيشة مضاعفة قد سبب عندهم ما يوصف عندهم بالصدمة الحادة ، مما صرفهم عن التركيز على هذه القيم لتوفير موقف وقاية وتحصين للمجتمع من صدمة الخوف والهلع والقلق والتوتر الذي غطى مساحات واسعة في نفوسهم ، وهذا من واجب الإعلام والصحافة ، بل للأسف طفق بعضهم يسفه دعوة بعض العلماء والفقهاء والأئمة والشيوخ وبعض رجال الدولة حول أهمية الرجوع إلى الله ودعائه والتوبة إليه والصبر وإحسان الثقة به ، فهو قادر على رفع هذا البلاء والغلاء ، وهذه مسألة مهمة أن يدركها بعض الكتاب والصحافيين ، وهي ليست تبريرات ودفاعا عن أخطاء سياسات الدولة الاقتصادية .
ذكرت في أكثر من مقال قبل رفع الحصار الأمريكي ألا يبالغ الناس في الأمل برفع الحصار وألا يخلد إلى هذا الأمر كثيراً ، وقلت لابد للدولة من إجراء تغيير جذري في السياسات الاقتصادية الكلية ، ومنها معالجة الخلل الكبير في الميزان التجاري، وترشيد الصرف الحكومي، وإلغاء الحوافز والإعفاءات الضريبية والجمركية وميزات الاستثمار للعاملين في الدولة والنافذين ، ومعالجة جذرية لتدفق الجنوبيين والإريتريين والأثيوبيين وغيرهم من اللاجئين والمهاجرين إلينا من جنسيات عدة, هؤلاء أضعفوا سعة الخدمات للشعب بنسبة مشاركة تصل حوالى 25 بالمائة في كل الخدمات والسلع المدعومة وغيرها ، والرأسمالية الجشعة التي يمثلها بعض التجار والنافذين في الشركات الكبيرة التي تدمر الاقتصاد الوطنى لصالحها ، والهجرة الداخلية التي أخلت مناطق الإنتاج الزراعي والرعوي ، ورأس الأمر كله سياسات التحرير الاقتصادي التي انتهجتها الدولة دون أن تضع عليها قيودا وكوابح وحدودا رقابية لحماية حقوق معيشة الشعب من غول السوق والانتهازيين وعديمي الضمير الذين نشطوا هذه الأيام بدوافع أنها فرصة ثمينة للغنى الشخصي على حساب المجتمع ! فما لم تتخذ الدولة قرارات حاسمة حيال هذه النقاط يظل الاقتصاد الوطنى يعاني، وتتسع هزة اليقين في نفوس الشعب ، ويزداد حجم الشرود العقلي الذي يعول عليه في معالجة الأزمة الحادة ، حيث لا تكاد تتلقى في اليوم عشرات الاتصالات من الأقارب والمعارف في إطار التواصل الاجتماعي اليومي  الطبيعي ولا يتصدر أسئلتهم كيف حال السوق والأسعار عندكم ، وبقليل من الأمل يسألون هل هناك قرارات تتخذها الدولة لإنقاذ حياة الناس ، خاصة بعد استغلال الأمر سياسياً من بعض الجهات ،ً بأن مجاعة شاملة ستضرب  البلاد مما زاد المخاوف أكثر .