الجمعة، 20 نيسان/أبريل 2018

board

العمل الخيري ...قراءة في آفاق المستقبل (2)

ذكرت في المقال الأول أن هناك أسئلة ملحة قد تتبادر إلى ذهن الباحثين والمهتمين بقضايا العمل الإنساني الخيري ، مثل متى بدأ العمل الإنساني الخيري ؟ وأين بدأ ﻷول مرة بصورة منظمة ؟

وكيف كانت بداياته ؟ ، وكما قلت في المقال السابق ، فإن الإجابة عن هذه الأسئلة تبدو في غاية الصعوبة ، إذا نظرنا إلى مسألة كون العمل الخيري نزعة وفطرة إنسانية فطر الله - تعالى - الإنسان عليها ، وإن تفاوتت نسبها من إنسان ﻵخر ، وهي بذلك تعد نوازع وقيماً ومثلاً أخلاقية نشأت وعرفت مع تاريخ الإنسان القديم الطويل عبر حضارات إنسانية متتالية متعاقبة ، لكن الشيء الذي يمكن أن نقرره للمفارقة ، أن هناك أمماً وحضارات وشعوباً ومجتمعات تفوقت على غيرها في مفهوم العمل الخيري ، وضربت المثل العلا - بضم الميم والثاء - في النجدة ، والمروءة والشهامة ، والكرم ، وبذل الخير والمعروف ﻷهله ومستحقيه بغير كلل ، ولا ملل ، ولا من ، ولا أذى ، وبغير مقابل إما ابتغاء لمرضاة الله - تعالى - عند المسلم ، وإما لدواع إنسانية وأخلاقية عند غير المسلمين ، كل ينطلق من موجهات عقيدته وثقافته ، والنتيجة مع هذا أو ذاك أثمرت نتائج باهرة في مجال مشروعات الخير على امتداد مجتمعات البسيطة ، وأقصد بالبسيطة هنا (الدنيا ) كما تسمى وليس مفهوم القلة كما في استخدام بعض الناس لعبارة (بسيطة) يريدون بها القلة ، والصواب في اللغة العربية أن مفردة (بسيطة ) تعني السعة والتوسع والكثرة عكس معناها في لغة العوام ، وللأسف مستخدمة بصورة شائعة حتى في الوسط الإعلامي والصحافي بمعناها الخطأ .... قال تعالى ( الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ) أي : يوسعه ويزيده ، وقال ( لو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) أي : لظلموا وطغوا وتجبروا ، (ولكن ينزله بقدر ما يشاء ) ، وقال تعالى رداً على سفاهة اليهود الذين تطاولوا على الذات الإلهية ووصفوا الله بالبخل والفقر - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - رد الله على كفرهم هذا بقوله ( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) .
وقلت : في كل مجتمع يوجد الأشرار الذين يتسببون في حصول الكوارث والفاقات والأزمات والمصائب ، ويوجد في المقابل لهم الأخيار الذين جُبلوا وعرفوا بتقديم العون والمساعدة ، والنجدة والرحمة ، ﻷصحاب الحاجات والمحن فيما نسميه في عصرنا الحاضر هذا بالعون الإنساني ، أو العمل الطوعي ، أو العمل الإنساني ، أو العمل الخيري ، وكلها دلالات ومصطلحات متحدة ، وقد نشأت اليوم للعمل الإنساني الخيري مؤسسات وهيئات وجمعيات ومنظمات تعنى به ، وهناك جهات حكومية وشعبية على مسار العالم ترعاه وتنظم قوانينه ولوائحه في مساراته الثلاثة ، المحلية ، الإقليمية ، والدولية .
في تاريخ مسار نشأة العمل الخيري الذي لا نستطيع أن نحدد له بداية قرأنا في تاريخ العرب أيام الجاهلية أنه كان للعمل الإنساني أصول و مفهوم ومبادئ وقيم راسخة في المجتمع الجاهلي العربي قبل الإسلام عن النجدة والمروءة ، و إغاثة اللهفان ، والكرم والجود الذي ملأت أخباره الآفاق ، وظهر جلياً في أشعار الجاهليين ، وكان الشعر يومئذٍ عندهم ٍ مرآة سطوع لحياتهم الاجتماعية والثقافية والأدبية كما هو اليوم كذلك .... يقول: امرؤ القيس في معلقته الشهيرة ... ويوم عقرت للعذارى مطيتي .. فيا عجباً من كورها المتحمل .... هذا كرم نادر ، فناقته الوحيدة التي يركب عليها ، ويحمل عليها متاعه نحرها وجعلها ( شواء ) للنساء اللائي يرافقن محبوبته (عنيزة ) ، ويقول : طرفة بن العبد الشاعر الجاهلي ...وكرى إذا نادى المضاف محنبا .. كسيد الضغا نبهته المتورد ، قمة الروعة في النجدة ، يقول إذا سمع استغاثة منادي يطلب النجدة نهض بسرعة كسرعة ذئب في الفرار حاول ورود ماء ، فرأى صياداً أو عدواً عند الماء متربصاً به ... أنظر السرعة في النجدة !! هذا عمل خيري ....ويقول طرفة بن العبد ...إذا القوم قالوا من فتى خلت أنا أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد ....أنظر إلى الشهامة يقول إذا سمع نداء العون والنجدة بخطاب عام للشباب ، فهم أنه المعني ينهض بقوة وسرعة لا ينتظر ، ولا يتكاسل ، ولا يتبلد ، فهو رجل ذو إحساس ومشاعر إنسانية دافقة متوهجة لا تتجمد ولا تنحبس .
وفي الجاهلية تداعت وتنادت قريش حول الكعبة - بيت الله الحرام - وتحالفوا على نصرة وعون ونجدة المظلوم والضعيف والغريب فيما عرف بحلف الفضول ....وحلف الفضول كان عملاً إنسانياً خيرياً كامل الأركان ، و عمل إنساني خيري نبيل ذو قيمة إنسانية غالية .
نواصل .