الجمعة، 20 نيسان/أبريل 2018

board

العمل الخيري ... قراءة في آفاق المستقبل 3

وحلف الفضول الذي عقدته قريش في الجاهلية حول الكعبة وتنادت إليه من أجل نصرة الحق ، وحماية الضعفاء والغرباء ، كان عملاً إنسانياً ذا دلائل إنسانية ومشاعر نبيلة ، وقيم أخلاقية سامية ،

لذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -  (لو دعيت إلى مثله في الإسلام ﻷجبت) ، وفي أخبار الكرماء ظل حاتم الطائي في تاريخ العرب الاجتماعي والثقافي  قمة  المثال في الكرم والشهامة والنجدة ،  وهناك مثال  الحجابة والرفادة والسقاية التي عرفت بها بعض بطون قبيلة  قريش حول البيت الحرام خدمة لزوار الكعبة في الجاهلية قبل الإسلام مثلت شكلاً من أشكال العمل الخيري الإنساني في ذلك العهد البعيد ، وقد يجوز لنا أن نزعم أن تلك الحقبة عند العرب في الكرم والنجدة ، وأفعال الخير الطوعية ؛  تمثل أشهر وأخصب وأبرز حقب العمل الخيري الإنساني  في تاريخ الحضارة الإنسانية ، ﻷنها كانت تبذل عن طواعية وسجية ومقاصد لذاتها  ، وحين جاء الإسلام بعقيدته وأخلاقه وقيمه أقر تلك القيم والمبادئ الإنسانية الصالحة التي لا تزال تمثل قمة العمل الخيري الإنساني في مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وهذا يعني أن الإسلام دين التكافل والتعاون والتآخي والترابط والإنسانية الأول من بين الأديان السماوية التي أنزلها الله - تعالى - على الأنبياء والمرسلين  .
وفي تاريخ الحضارة الإسلامية برزت صورة زاهية ﻷهل اليسار الذين كانوا يساندون ويدعمون الفقراء والمساكين والأيتام ، وأهل الحاجات ، وطلاب العلم ، والأرامل والغارمين وأبناء السبيل ، والمؤلفة قلوبهم وكبار السن  ، بل تجاوزوا بعطائهم هذا المجتمع إلى دعم الدولة في أوقات الأزمات والمشاكل الاقتصادية ، ومن أهل اليسار الذين مثلوا مفهوم العمل الخيري الإنساني مدرسة الصحابة - رضوان الله عليهم جميعاً - أولئك الأبرار الأخيار الذين بلغوا الذؤابة ( القمة) في العمل الخيري والإحسان والبر والفضل والعطاء ، حيث قرأنا في تاريخ صدر الإسلام والنبوة والخلافة الراشدة نماذج في العطاء والكرم والنجدة والبر والإحسان وفعل الخير ، مثلت قمة فعل الخير  والعمل الخيري الطوعي الخالص قدوة ومثالاً ... يتقدم رجال هذه المدرسة - المتفردة في العطاء والبذل الإنساني ، والتضحية من أجل الآخرين ؛ و التي لن يتكرر مثالها النادر  في التاريخ الإنساني مرة أخرى ، يجلس على قمة هرمها الشامخ  - النبي محمد رسول الله صاحب رسالة الإسلام  - صلى الله عليه وسلم - ويأتي من بعده بدور الإسلام الأخيار  صحابته - رضوان الله عليهم جميعاً ومنهم : أبو بكر الصديق ، والفاروق عمر ، وذو النورين عثمان بن عفان ، و أبوتراب علي بن أبي طالب ، ونخبة من النجوم الزواهر أمثال : عبد الرحمن بن عوف ، وخديجة بنت خويلد أم المؤمنين ، وزينب أم المساكين أم المؤمنين ، وجمهرة الأنصار أهل دار الهجرة الذين شهد الله عزوجل لهم بالخيرية ، والإخلاص في تكريم الإنسان بقوله ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)  ، وغيرهم كثير من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهم أجمعين - وتلك مبادئ العمل الخيري الإنساني التي أتم تنزيلها في واقع الحياة النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضوان الله عليهم - كانت تطبيقاً لدعوة رسالة الإسلام التي جاء بها الإسلام ... قال الله تعالى ( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً ، إنا نخاف من ربنا يوماً عبوثاً قمطريرا ) ، فهذه الآيات الثلاث 8 ، 9 ، 10 من سورة الإنسان ( الدهر ) ، تمثل الأصل الأول في تأسيس العمل الخيري الإنساني على هدى مبادئ وأهداف وغايات ، وأسس اجتماعية وحضارية وأخلاقية واقتصادية  ، بل ويكفينا دليلاً على أصالة العمل الخيري الإنساني التكافلي في الإسلام نظام الزكاة ، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة ، وهو اليوم يمثل أفضل خيارات اقتصاديات  العالم ونظامه الاجتماعي في مواجهة الكوارث والأزمات التي تهدد مستقبل الدنيا ، وهذا هو الفارق الكبير بين أهداف العمل الخيري الإنساني في حضارة الإسلام من جهة ، وحضارة الغرب المسيحية أو الأنماط الرأسمالية والاشتراكية ، والنظم الإنسانية الأخرى .
ويبقى التحدي الأكبر الذي يواجه العالم بأسره في آفاق مستقبله كيف يواجه كوارثه وأزماته الاجتماعية والاقتصادية والعقدية والثقافية عبر حلول العمل الخيري الإنساني الطوعي الذي بات وأصبح ضرورة حياة ولوازم بقاء .
    نواصل..