الثلاثاء، 22 أيار 2018

board

قيود الصحافة ..وصحيفة الضياء 4

وفي الخامس والعشرين من يوليو سنة 1927م كتب مدير مديرية الخرطوم بالإنابة إلى السكرتير الإداري موافقاً على طلب عبدالرحمن أحمد محمد بصدور صحيفة أو مجلة أدبية ،

شريطة أن تخضع المقالات فيها للرقابة القبلية ، لكن في اليوم ذاته 25/ 7/ 1927م كتب مدير المخابرات مذكرة استدعى بموجبها الأستاذ عبدالرحمن أحمد محمد من قبل مدير المخابرات وأخبره بأن مقالاته السابقة في صحيفة الحضارة وبصفته نائباً لرئيس التحرير لم تكن مقبولة للحكومة ، ثم استدعاه السكرتير الإداري ووبخه توبيخاً شديداً ، وأكد له أنه فلت من عقوبة قاسية كان يمكن أن تُطبّق عليه ، وعليه فإن الحكومة البريطانية في السودان لن تحتمل صدور صحيفة وطنية يكون عبدالرحمن أحمد محمد رئيس تحريرها!! .
لقد كان قراراً صادماً للسيد عبدالرحمن أحمد وغير مبرر ! ...لم ييأس السيد عبدالرحمن أحمد محمد من إصراره على إصدار صحيفة الضياء ومضى غير مكترث لتهديدات الإدارة البريطانية بمنعه إصدار صحيفة أدبية في الخرطوم تكون واحة لخريجي ومثقفي كلية غردون التذكارية ورواد الحركة الوطنية ، وهذا هو السبب الرئيس وراء رفض الحكومة صدور الصحيفة بأنها ستكون محركاً للشعور الوطني ضد الاحتلال ولو كان من باب الأدب ، ﻷن في الأدب ما هو سياسي ، وأعتقد هذا هو السبب الرئيس - أيضاً - وراء رفض اسم ( الضياء ) للصحيفة ، إذ أن الضياء يعني العلم والمعرفة واليقظة ، وإدارة الشأن الذاتي بحكمة ومنهج ، وكان الاحتلال - كما ذكرت من قبل في هذه السلسلة من المقالات - يدرك خطورة حرب وصراع المصطلحات ، لذلك عمد إلى رفض مصطلح الضياء ، ﻷنه يحمل مضامين ودلالات ثورية وتحررية تكون أرض معركتها الصحافة ضد حكومة الاحتلال الإنجليزي البغيض.
وبعد سنتين وزيادة من القرار الجائر استأنف عبدالرحمن أحمد محمد إصراره على إصدار الصحيفة ، وقد أشار دكتور محجوب عبد المالك بابكر في كتابه (دراسات في الصحافة السودانية ) ، في تعليقه على مسألة استئناف الأستاذ عبدالرحمن أحمد محمد ، بأنه استأنف بعد شهرين ، وهذا مخالف لواقع المقارنة بين التاريخين ، تاريخ أول مذكرة في الثامن والعشرين من شهر يونيو سنة 1927م ، والمذكرة الأخيرة بتاريخ التاسع والعشرين من شهر أبريل سنة 1930م ، أعتقد الصواب سنتين وليس شهرين ، ولربما وقع ذلك سهواً من دكتور محجوب عبدالمالك ، أو نتيجة خطأ في الطباعة ... على كل كتب عبدالرحمن أحمد محمد مذكرة جديدة إلى السكرتير الإداري بتاريخ 29/ 4/ 1930م شرح في مذكرته الجديدة ما جرى من مكاتبات بشأن الموضوع منذ عام 1927م ، ورُفض طلبه من قبل مدير المخابرات ، وأن الصحيفة هدفها نشر الإنتاج الأدبي ، والاهتمام بالنقد الأدبي والقضايا السيكولوجية ، والاختراعات ، والقضايا العالمية ، وأنها صحيفة شاملة وستكون علمية .
وفي الخامس من مايو سنة 1930م حول السكرتير الإداري وقتها السيد (هيلسون ) الطلب الجديد إلى مدير المخابرات مرة أخرى ﻹبداء الرأي فيه ... وبتاريخ الخامس من مايو 1930م أي : يوم وصول المذكرة ذاته ردت إدارة المخابرات بمذكرة للسكرتير الإداري تفيده فيها بأن السيد مدير المخابرات قد أوضح للسيد عبدالرحمن بطريقة حاسمة أن طلبه لا يمكن البت فيه ، وأنه تعرض للتحذير أكثر من مرة ، وأن مقالاته عام 1929م عندما كان نائباً لرئيس تحرير صحيفة الحضارة لم تكن مقبولة للحكومة ، وأنه متزوج من مصرية ( ونحن نعتقد من وجهة النظر الأمنية بأنه غير مستقر سياسياً) ، (وأنه موظف خدمة مدنية وأي صحيفة يقوم بتحريرها يجب أن تخضع للرقابة الصارمة ، وإننا نشك في مقدرته على إصدار صحيفة ناجحة تجارياً ، وحين طلبنا منه أن يوضح طريقة تمويل الصحيفة المقترحة أفادنا ، بأنه سيعتمد في تمويلها على الله ثم على نفسه ، بالإضافة إلى دخل الإعلانات ، وهذا الرد من الواضح تماماً غير مقنع ، فالرجل موظف حكومي يتقاضى مبلغ ( 228) جنيهاً سنوياً ) ، وبررت المذكرة لجوء السيد عبدالرحمن أحمد إلى أخذ قرض أو سلفية يعد من ناحية إدارية أمراً غير مقبول ، وأن صدور الصحيفة غير ضروري ، ولذلك قررت إدارة المخابرات عدم تشجيعه على المضي قدماً في هذا المشروع ، وأن عدم تشجيعه يجب أن يتم بطريقة إدارية بحتة وألا يربط بالأمن العام .... نواصل .