الإثنين، 26 حزيران/يونيو 2017

board

هل نهضت أمة بخطب أو صياح؟..

ما زلت متذكراً جيّداً لفقرات وجمل من قطعة أدبية نثرية – أظنها للكاتب الكبير – ولي الدين يكن، رحمه الله تعالى- كانت هذه القطعة الأدبية النثرية مقررة في منهج الدراسة للمرحلة الابتدائية، وتحديداً الصف السادس الابتدائي، الذي كان مقرراً فيه أيضاً.. فديتك هل نسيت القدس لجميل صديق الزهاوي- وزهرة القطن لفتحي مرسى.. والمعذبون في الأرض للكاتب الكبير (المنفلوطي)، ووصية أب لابنته للكاتب الكبير اللغوي المتفرد (على الجارم)، وأنا لن أعيش مشرداً للشاعر الفلسطيني المجاهد الكبير هارون الرشيد، والنخلة الحمقاء للشاعر اللبناني المهاجر إلى أمريكا الشمالية إيليا أبو ماضي، وقطع أدبية شعرية ونثرية كثيرة كان لها نصيب الأسد في تشكيل وجداننا الأدبي والفكري واللغوي والثقافي في طرق التفكير وأدب المقاومة والتصدي لأشكال الظلم والضيم، والانتصار لحقوق أمتنا الإسلامية والعربية، وكانت هناك روابط مماثلة في مقررات الجغرافيا والتاريخ ندرس فيها جغرافيا الوطني العربي، ولا تزال صورة خريطته التي كانت ترسم في علب الهندسة باقية صورتها حية في الوجدان والذاكرة والعقل الباطن تفعل فعلها الدائم، وقصة الجمهوريات الثلاث.. مشروع التكامل الاقتصادي العربي السودان، مصر، ليبيا، وفي التاريخ قصص بطولات المجاهد الكبير صلاح الدين الأيوبي, وخليفته المجاهد نور الدّين زنكي، وبطولات عبد الرحمن الكواكبي والنجومي وإسماعيل الأطرش وعمر المختار أحد شامات الأمة الذي قلّ أن يتكرر مثله، وجمال الدّين الأفغاني، وجميلة، والبارودي والعباسي، ومحمود غنيم وعقد نضيد فريد تضيق الدائرة والمساحة هنا عن ذكرهم أو مجرد الإشارة إليهم، لكن في النفس أملاً وحلماً أن نفرد لهم مساحة أوسع في موضع آخر.
إن الذي يدعو المرء أن يتذكر هؤلاء المبدعين كلٌّ في مجاله, من الكتاب والأدباء والشعراء والمجاهدين والمفكرين، وقادة التوجه الفكري والثقافي، وصناع المقاومة، وقادة مشاعل التحرر والانعتاق من التبعية الحضارية والثقافية، بصفة أننا أي أمتنا الإسلامية والعربية أهل ثقافة عالمية، وشهود حضاري أممي ما ينبغي لنا أن نركن إلى الخلود إلى الأرض واتباع الهوى ومفارقة النهج العلمي والمعرفي في قراءة كتاب الكون.. السنن الكونية والمآلات والآفاق.. إن الذي يدعو إلى اجتراء كل هذا الذي ذكرته وكثير مّما لم أذكره، هو التنبيه والإشارة إلى أهمية وضع المناهج الدراسية والعلمية في تشكيل وجدان وفكر الأجيال، وفعلها المباشر في تكوين لبنات وأسباب النهضة المأمولة، ولذلك تنبهت الأمم والشعوب مبكراً إلى خطورة وضع المناهج الدراسية في رفعة الشعوب أو هزيمتها، فاختارت فيها طريق النجاة بالتخطيط والتدقيق والاختيار والمراجعة والتقييم والتقويم والتنقيح والتأصيل، فتقدمت ونهضت وارتقت.. لأن الأمم والشعوب كما قال الكاتب ولي الدين يكن.. (هذا عصر الكفاح لم تسبق أمةٌ بخطب ولم تنهض بالصياح).. أما الخطب فهي الحرب والصراع والنزاع والشقاق وافتراق الكلمة، وأما الصياح، فهو الشعارات الفارغة من المضامين العلمية والمنهجية والعملية والبرامج المرتبة, المليئة بالحماس والاندفاع والعواطف غير الراشدة، البعيدة عن التخطيط الإستراتيجي المستصحب للعزيمة والإرادة وسيادة القرار.
ذكرت هذه المقدمات وفي النفس أسى وحسرة بالغة ممّا يجري في حقل التعليم والمناهج في بلادنا.. سواء أكان ذلك على مستوى التعليم العام أو على مستوى التعليم العالي، ولا أود أن أخوض طويلاً في التفاصيل فقد كتبت عن ذلك كثيراً وعلى أثر هذه الكتابات جاءت إلينا عدة دعوات من جهات أكاديمية وعلمية ومؤسسات سياسية للمشاركة في ورش ولقاءات تفاكرية وندوات ومحاضرات ومؤتمرات، وقد فعلنا فلبينا كثيراً من تلك الدعوات وساهمنا بما رأيناه مناسباً، وقلنا في ذلك وكتبنا، ولكن الذي أود أن أشير إليه ههنا هو تواتر الأخبار خلال الأسبوع الماضي حول قضايا التعليم والناهج، وأبدأ بما أشار إليه الشيخ الكريم الداعية كمال زرق إمام وخطيب مسجد الخرطوم الكبير – وهو رجل لا نزكيه على الله تعالى ولكن نعلم بصدقه وتجرده وولائه للدّين والأمة والبلد – فقد أشار شيخ كمال زرق- حفظه الله تعالى – إلى وجود بعض المناهج الشيعية في مقررات الدراسة الثانوية, وهذا ما سبق لي أن ذكرته بصورة معممة في دس بعض المناهج التشكيكية، حين تحدثت من خلال هذا العمود (دلالة المصطلح) وعلى صفحات (الإنتباهة) عن قصص (طه القرشي المريض في المستشفى)، وعن قصص (عثمان التاجر الطمّاع) وأثر ذلك على الأطفال والتلاميذ بعد دراسة هذه القصص، حين يدرسون في جانب آخر أن – النبي صلى الله عليه وسلم – يسمى طه وإن كان القول لا أصل له، وأنه قرشي، وأن عثمان بن عفان – رضى الله عنه- كان تاجراً، وهكذا.. المهم ما أشار إليه شيخ كمال اعترفت به وزارة التربية والتعليم، ومن هنا يستدعي الأمر ليس المعالجة والحذف فقط، بل لا بد من تقصي وتحقيق كيف تسربت هذه المفاهيم الشيعية إلى مناهج وزارة التربية والتعليم، والأهم من ذلك من هي تلك الجهات التي دست ذلك؟
والنقطة الثانية التي أود الإشارة إليها هي الهجرة الضخمة والمستمرة للعقول العلمية من أساتذة الجامعات والمعلمين في التعليم العام نحو الخارج طلباً للأجر المجزي.. من هنا يبدأ مشروع السقوط والهبوط الحضاري، فقد اعترفت الدولة أن أكثر من نحو 2111 أستاذا جامعيا قد غادروا البلاد إلى وجهات مختلفة، وجاء في بعض الأخبار أن العدد تجاوز (4000) أربعة آلاف وفي كل كارثة وخراب.. كنت قد أشرت في عدة مقالات إلى أهمية الكفاية في أجر المعلم سواء أكان في التعليم العام أو العالي, وأعود فأقول إن زيادة أجور المعلمين ينبغي الاّ تقل عن أجور الجيش والأمن والشرطة ، وهنا لا أتحدث عن أجور الجنود في القوات المسلحة لكن أريد أن يكون أجر المعلم كأجر الضابط في القوات المسلحة إذا لم يزد عليه، فإن هجرة المعلم تعني هجرة العلم واهتزاز دعائم التربية الوطنية، وسيادة البلد وصون القيم والمثل، وهي تلك العقائد التي تأتي القوات المسلحة للدفاع عنها لاحقاً، فإذا لم تثبت تلك الدعائم من قبل المعلم، فعن أي شيء وعن أية عقيدة تقاتل وتجاهد وتدافع القوات المسلحة؟
والنقطة الأخيرة هي دعوة البروف إبراهيم أحمد عمر رئيس الهيئة التشريعية إلى مراجعة سياسات التعليم العالي فيما يتصل بأجور أساتذة الجامعات، وتلك دعوة حق شجاعة ينبغي للدولة الأخذ بها فوراً, وآمل أن تكون في إطار توصيات ومخرجات الحوار الوطني التي ينبغي أن ترى النور.. وأعود فأقول هذا العصر عصر الكفاح والعلم لم تسبق أمة بالخطب(الحرب) ولم تنهض بالصياح (الشعارات) خالية المضامين العلمية والمنهجية.