الأحد، 30 أبريل 2017

board

هل الحركة الإسلامية سلمت قلاعها وغادرت؟! «1»

قرأت فى بحر الأسبوع الماضى مقالين مثيرين للشفقة والدهشة والغضب معاً!!.. أحد المقالين كتبه الأخ الطاهر ساتى الكاتب الجديد بصحيفة (الإنتباهة) فى عموده (إليكم ) تحت عنوان (خطوات تنظيم)، وذلك بتاريخ 4 مارس 2017م. والأخ الطاهر ساتى الذى نرحب به فى (الإنتباهة) كتب مقاله هذا بلغة عسكرية خطوات تنظيم،

ومن المصادفة فقد كان له موقف صارم من خط السياسة التحريرية لـ (الإنتباهة) وموقف بعض كتابها خاصة ما كان يلى ملف نيفاشا والجنوب ومشروع السودان الجديد، الذى نرى أن (الإنتباهة) بحمد الله كان لها نصيب الاسدين فى هزيمته وتجنيب السودان شره، بما فى ذلك انفصال الجنوب الذى لا يستحق البكاء على ذهابه، كما يزعم بعض إخوتنا أن الانفصال كان سياسياً فقط بينما الوجدان والمشاعر بين الشعبين ظلت باقية، وهذا الضرب من الزعم لا يعدو أن يكون مجرد وهم وخزعبلات وخواطر ضالة فى ذهن بعض إخوتنا.. والأخ الطاهر ساتى اليوم يعود كاتباً فى (الإنتباهة) وهو إضافة جيدة من أجل الرأى والرأي الآخر، وهو أمر ينبغى أن يكون متاحاً فى الصحف... لكن المفارقة أن الأخ الطاهر كتب مقالاً يستدعى المناقشة والتعقيب عليه. وكان المقال الآخر كما أشرت إليه مع مقال الطاهر ساتى، هو مقال الأخ خالد التيجانى النور فى صحيفة (إيلاف) وكان تحت عنوان (فى رثاء آخر نسخ الحركة الإسلامية... انتهى الدرس .. فهل من معتبر ؟!) ... فهل المقالان تزامنا مصادفة أم كان أحدهما رد فعل للآخر؟ المقالان تناولا مسألة واحدة بالتناقض، ففى الوقت الذى دعا فيه الطاهر ساتى بعد تولى الفريق أول ركن بكرى حسن صالح النائب الأول رئاسة مجلس الوزارء القومى، إلى تقليص دور الحزب الحاكم فى معادلة الدولة وتمكين أكثر للعسكريين فى مفاصل الدولة على حساب المدنيين فى الحزب الحاكم نفسه، صرخ الأخ خالد التيجانى أن غالب الإسلاميين يرون أن الحركة الإسلامية قد غادرت آخر قلاعها بهذا التكليف، وأن الأمر أكسب المؤسسة شرعية أقوى فى خلافة سفينة الإنقاذ التى ترجلت عن قطبانها الحركة الإسلامية، والآن الأمر يمهد لخلافة بكرى للبشير لو بعد حين. وبالنظر إلى فكرتى المقالين اعلاهما تجدنى معتقداً أهمية التعليق على بعض ما جاء فى المقالين من نقاط، بداية من فكرتهما وانتهاءً ببعض النقاط الجوهرية فيهما ....أقول بصراحة قول الأخ الطاهر ساتى فى مقاله: (ولو فشلت حركة تلك الليلة، لكان الرئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة فى أعداد الموتى أو السجناء، ولظل الحزب فى أمن وأمان )، ثم قوله: (ثم كانت مذكرة العشرة، ولم يوقع عليها الفريق بكرى بالصدفة.. وهى المذكرة التى مهدت لمفاصلة قزمت سطوة الحزب، لتتحرك الحكومة بلا قيود ... وكانت نيفاشا من ثمار هذا الحراك الحر ) ...فى تقديرى هذا وهذه دعوة غير موفقة تماماً من كاتب كبير مثل الأخ الطاهر ساتى لعدة أسباب يمكن حصرها فى الآتى:
1/ تكليف الفريق أول ركن بكرى حسن صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية بموقع رئيس الوزراء القومى نتاج طبيعى كان متوقعاً بحسب موقعه الأول ودوره الطويل فى وزارة الإنقاذ فى مواقع تنفيذية رفيعة ودوره الأول فى الإنقاذ، وأن الحزب الحاكم الذى قاد رئيسه فكرة الحوار الوطنى رأى أهمية الاحتفاظ بهذا المنصب (رئيس الوزراء) ولو إلى حين حتى يستكمل الحوار الوطنى بناءه بتنفيذ مخرجاته، والفريق بكرى هو نفسه من قاد برنامج إصلاح الدولة بتكليف من الدولة وحزبه، لذلك كان من الأولى عن يواصل مسيرة الإصلاح ممثلة فى قيادة وزراء حكومة الوفاق الوطنى، وقد نال ثقة كثير من القوى السياسية والحركات، هذا فضلاً عن ثقة الرئيس الكبيرة فيه وقول الرئيس أن بكرى ملم بملفات الدولة وملفات مهمة، وأرى فى تقديرى أيضاً أنه من المهم أن يحتفظ الحزب الحاكم بهذه الوظيفة المهمة من واقع تجربته الطويلة فى الحكم وتراكم الخبرات وشرعية الانتخابات الماضية والصفة التنظيمية الأكبر بين القوى السياسية وإحاطته وامساكه بملف السلام والاقتصاد والأمن والعلاقات الخارجية والحوار الوطنى نفسه، ولذلك المنصب أتى للفريق بكرى ــ بعد إذن الله ــ فى إطار هذه المعادلة، وبكرى من الحزب الحاكم ومحسوب للحركة الإسلامية، واختياره هذا منع مداخل الخلاف بين القوى السياسية إذا حدث أن ذهب هذا المنصب لأحد الأحزاب منها غير المؤتمر الوطنى.. أعتقد هذه هى الحيثيات المنطقية وليس انقلاباً من العسكريين داخل المؤتمر الوطنى على المدنيين فيه كما ذهب الأخ الطاهر ساتى، ولعل هذا النوع من الدعوات يولد استقطاباً حاداً داخل الحزب الحاكم الذى ينبغى أن نتجنبه تماماً فى التوقيت الحرج.
2/ ثانياً: يرى الأخ الطاهر ساتى أن نيفاشا كانت من ثمار الحراك الحر، ويقصد بذلك انفراد العسكريين باتفاقية نيفاشا، وهذا كلام غير صحيح البتة.. نيفاشا جاءت نتاج حراك سياسي تبنى منهج التفاوض مع الحركة الشعبية بقيادة قرنق، وتعطلت بذلك العمليات العسكرية فى الجنوب فى وقت كانت فيه القوات المسلحة متقدمة ومسيطرة على أكثر من تسعين فى المائة من أرض الجنوب، ولذلك كان يرى كثير من قيادات الجيش أن الدولة كانت قوية عسكرياً فى وجه الحركة الشعبية، ورغم ذلك قدمت تنازلات كبيرة على المسار السياسى فى نيفاشا، وهذا يؤكد أن نيفاشا مشروع سياسى قاده الحزب الحاكم الذى كان وقتها مسيطراً تماماً على مفاصل الدولة ومستفرداً بالحكم فيها، وهو أمر يوضح تناقض قول الأخ الطاهر ساتى بأن الدولة ما استطاعت أن تنتج نيفاشا إلا بعد أن تخلصت بقيادة العسكريين من قيود الحزب والمدنيين وعلى وجه الخصوص الإسلاميين، كأنما هى محاولة إيقاع بين أنصار الحزب الحاكم الإسلاميين والعسكريين، وهذا تصرف من الإعلام والصحافة غير راشد ينبغى النأي عنه، لأنه مضر بالمصلحة الوطنية العامة، ولهذا السبب كانت هذه دواعي تعليقي وليس دفاعاً عن جهة ما.
3/ ثالثاً: يشير الأخ الطاهر ساتى فى معرض حديثه عن الفريق بكرى، إلى أنه ما وقع على مذكرة العشرة مصادفة، ليوحي بأن مذكرة العشرة نفسها كانت انقلاباً عسكرياً على الحزب أو التنظيم الحاكم، لكن السؤال الذى يمكن طرحه: هل مذكرة العشرة التى مهدت للمفاصلة بين الإسلاميين قادها عسكريون؟ وبمعنى أوضح هل المذكرة كانت مقدمة لرؤية إصلاحية تنظيمية أم كانت خطوات تنظيم عسكرية؟
4/ رابعاً: أشار الطاهر ساتى إلى أن فى تلك الليلة.. يقصد ليلة 1989م.. لو فشلت حركة تلك الليلة لكان رئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة فى عداد الموتى أو السجناء، وهذه حقيقة، لكن المستغرب قوله: (ولظل الحزب فى أمن وأمان ) ...أي حزب يقصد؟! الكلام واضح لا يقصد سوى الحركة الإسلامية، وهذا ملف نعالجه فى المقال القادم عند التعليق على مقال الأخ خالد التيجانى النور الذى رأى فيه أن المؤسسة العسكرية العميقة ابتلعت تنظيم الحركة الإسلامية وانقلبت عليه، ولذلك قال: (وستبقى خطيئة الحركة الإسلامية الكبرى وجنايتها التى لا تغتفر إقدامها على الانقلاب العسكرى فى عام 1989م)!! ونقاط كثيرة أخرى سوف نعرض لها إن شاء الله تعالى.