السبت، 25 مارس 2017

board

هل الحركة الإسلامية سلَّمت قِلاعها وغادرت (2) ؟

قال الأخ خالد التجاني النور رئيس تحرير صحيفة (إيلاف) الأسبوعية التي نتلقفها كل أربعاء وهي متخصصة في الاقتصاد وبها الكثير من القضايا الاقتصادية المهمة والتحليل الاقتصادي النقدي الهادف ،

هذه المرة الأولى من تاريخ كتاباتي الصحافية أقوم فيها بالتعليق على الأخ خالد التجاني ، وهو كاتب ومحلل كبير وسليل أسرة صحفية مشهورة، ويكفي مثالاً عمه الفاتح النور الصحافي العملاق الكبير صاحب جريدة (كردفان) المشهورة - رحمه الله تعالى-  وهو -أقصد الأخ الدكتور خالد التيجانى - من جيل الحركة الإسلامية المثقف المستنير المهموم بقضاياها وتحدياتها ، لذلك أية كتابة منه أو تحليل عنها ، يلفت الانتباه ويثير النقاش والجدال بقوة وسرعة مصحوبة بردات فعل متباينة عنيفة ؛ كمقاله الأخير الذي جاء في الأسبوع الماضي بصحيفته (إيلاف) تحت عنوان (آخر نسخ الحركية الإسلامية ) .. انتهى الدرس .. فهل من معتبر.  وكنت قد وعدت القراء بالتعليق على مقالين تناولا هذه الفكرة وإن اختلفت النظرة والغرض ، وهما مقال الأخ الطاهر ساتي ، ومقال الأخ دكتور خالد التجاني، وقد تناولت بالتعليق في المقال الأول ما أثاره الأخ الطاهر ساتي من طبيعة العلاقة الرابطة الآن بين المؤسسة العسكرية من جهة، والحزب الحاكم والحركة الإسلامية من جهة، ودعا إلى تقليص دور الحزب لحساب المؤسسة العسكرية بما يشبه الدعوة إلى انقلاب أبيض داخلي، وأن الدولة ما أنجزت بعض المهام التي زعم أنها نقلة كبيرة كنيفاشا إلا بعد أن قيدت الحزب الحاكم عبر المؤسسة العسكرية وقد نقدت هذه الفكرة غير الصحيحة ، وضربت مثالاً بذلك أن نيفاشا كانت مشروعاً سياسياً اعتمد منهج التفاوض مع الحركة الشعبية قاده الحزب الحاكم، بينما كانت الكتائب العسكرية تفرض سيطرتها على معظم أرض الجنوب سابقاً، وهو أمر سماه بعض المراقبين بتقديم تنازلات سياسية كبيرة للحركة في نيفاشا على طاولة المفاوضات رغم السيطرة العسكرية على الجنوب ، حيث كان لا يجرؤ قائدها قرنق الدخول إلى أطراف مدينة واحدة في جنوب السودان ، ولذلك في تقديري كان الموقف السياسي لا يتناسب مع موقف تملك زمام المبادرة والسيطرة للقوات المسلحة ؛ وكان هذا خطاً إستراتيجياً يحسب على المفاوض الحكومي في نيفاشا .
على أي حال، أريد هنا التعليق على بعض ما جاء في مقال الأخ دكتور خالد الذي قدم رؤية نقدية حادة ومليئة بالقنوط واليأس من مستقبل الحركة الإسلامية ودورها في صناعة القرار وتوجيه الأمور في الدولة ، وأن السطوة العسكرية في الدولة بدت أكثر قوة وغلبة.. بل ذهب أكثر من ذلك و بجرأة شديدة حين ذهب إلى أن التجديد في الحركة الإسلامية مزعوم وأن المشكلة فكرية ومنهجية وليست تنظيمية، وهذه من المسائل التي لفتت نظري وانتباهي بقوة في مقال دكتور خالد التجاني!! .
المقالان (مقال ساتي والتجاني)، اتفقا حول بروز سطوة مجموعة أفراد المؤسسة العسكرية داخل التنظيم الحاكم والحركة الإسلامية على حساب الحركة الإسلامية، واختلفا حول أن الطاهر ساتي دعا إلى تقوية هذه السطوة وسماها بفك القيد عن الدولة ، وهو فرح مسرور! بينما رثا دكتور خالد التجاني تغييب دور الحركة الإسلامية في مفاصل الدولة وساحة صناعة القرار، هو حزين مغبون أسفا.. وفرق كبير بين المسرور والمحزون من حيث الغرض والأشواق ..
صوَّب الدكتور خالد التجاني سهاماً قاتلة على فكرة انقلاب 1989م الذي نفذته الحركة الإسلامية كجناح سياسي وتنظيمي للانقلاب ، بل ملك الدكتور جرأة أن وصف تلك العملية (بالغارة) ، حيث قال يجب (التحلي بالشجاعة الكاملة والوعي العميق والأفق الواسع لإجراء مراجعة جذرية شاملة)، وقال (وستبقى خطيئة الحركة الإسلامية الكبرى وجنايتها التي لا تغتفر إقدامها على الانقلاب العسكري في العام1989م) ، وقال هناك ململة وسط الإسلاميين ..- يقصد مما آلت إليه الحركة الإسلامية من تدهور وضعها في الدولة وتغييب أثرها - وفي تقديري الشخصي إن دكتور خالد يتأوه ويتوجع حرقة من مآلات الأمور في الحركة الإسلامية ولا نظن به غير ذلك ، خلافاً للعلمانيين والشيوعيين الذين بدأوا مسرورين ويرون أن حكومة الوفاق الوطني القادمة هي النهاية الصادمة لمشروع الحركة الإسلامية في جناحها السياسي الإنقاذ ، والأمر الذي دعا دكتور خالد التجاني ليقول معلقاً على توجهات الوضع الجديد من خلال حكومة الوفاق الوطني القادمة ( تقليص ممثلي الحركة الإسلامية في ضوء توازنات القوة الجديدة القومي ليس في الحكم فحسب، بل حتى الدور والتأثير في صناعة القرار ) .. تجدني أيها القارئ  مشفقاً شديد الإشفاق، متفقاً مع دكتور خالد التجاني حول أماني ومحاولات الإقصاء والتغييب المتعمَّد لدور الحركة الإسلامية في الدولة ، فنحن لا نريد أبداً أن نرى رموزها في ركن قصي في هوامش الأمور وعلى الأرفف كأنهم سقط متاع !! والمرحلة المقبلة في حكومة الوفاق الوطني القادمة ، هي مرحلة الأقوياء الأمناء الصادقين لإنقاذ مشروع الدولة وإصلاح حركة المجتمع في وجود منافس متقلب وطامح في استرداد مزايا فقدها أو باحث عن أمجاد في ضوء الحوار الوطني .
وتجدني أيها القارئ الكريم غير متفق مع الأخ دكتور خالد حول تجريم الانقلاب بهذه الصورة التي يجعله (غارة) ..لداعي أن البلد وقتها كانت في مفترق طرق وفي وضع نظام سياسي وحكم شلت حركته وفسد أمره ، وكادت تتحول البلد مستعمرة جديد لنظام عالمي إمبريالي .. بل الأوضح من ذلك أن عدداً من القوى السياسية كانت مخططة للاستيلاء على السلطة عبر انقلاب عسكري ، فالإنقاذ سبقت فقط ، بدليل لما أعلن الانقلاب كان أقرب نظام حاكم للسودان ، وهو النظام المصري غير مدركة لهوية الانقلابيين من أول وهلة ، وهذا أكد أن الأمر كان هدفاً لعدد من القوى السياسة دبرت للاستيلاء على السلطة ، وهذا يعني على الأقل ارتكاب أخف الضررين بنص القاعدة الفقهية.
واتفق مع الأخ دكتور خالد حول قوله (الإصلاح كان خجولاً وسطحي ومظهري ولم يلامس الجوهر)، لكني غير متفق معه حول قوله وهو ينقد تجربة الحركة الإسلامية (هذا الولع الشديد المبكر بلعبة السياسة والتعجل للوصول للسلطة).. أعتقد هناك حاجة ماسة أن يقوم المفكرون نحو إعادة النظر في يحمل الناس دائماً حول مفاهيم .. (السياسة لعبة قذرة .. السياسة نفاق .. السياسة لا تلتقى مع الدعوة).. ومفهوم الزهد في اعتلاء السلطة لجماعة منظمة لأن الفراغ الذي تتركه أنت متعللاً بأن الوقت لايزال مبكراً وأنك إلى نضج أكثر، هذا الفراغ يملأه غيرك بسوء وبذا تحمل أنت وزر أمانة التكليف في القيام بواجب ما، ولو على سبيل التقصير والنقصان ، لأن تكليف القيام بواجب الدعوة وقيادة المجتمع وتبني مبادرة الإصلاح المؤسسي لا يقتضي ولا يتطلب كمال المكلف ؛ بل يقتضي فقط الاستطاعة والإرادة.  وتجدني غير متفق مع دكتور خالد حول (إن الحركة الإسلامية لم تستوعب تركيبة البلاد المتعددة الأعراف والثقافات والديانات) ، حيث لديَّ تحفظ حول إطلاق مفهوم تعدد الديانات في السودان.
 إن الواقع المعيش يكذب هذه الدعوة ، فهي دعوة ظل العلمانيون يدعون إليها - وللأسف بدأ يتلغفها بعض الإسلاميين على حين غرة وغفلة ، وتراني متفق ومعجب جداً بما ذهب إليه دكتور خالد التجاني في دعوته نحو التحلي بالشجاعة الكاملة، ووعي عميق وأفق واسع لإجراء مراجعة جذرية شاملة في تصور ومنهج وفكر الحركة الإسلامية وأهمية التقويم عندما قال (الاستقامة الأخلاقية على المنهج الذي ترفع شعاراته) ..
ولنا عودة...