الخميس، 17 آب/أغسطس 2017

board

صلوا .. القيامة قرَّبت

يرتدى بنطالاً رمادىاً وقميصاً كحلىياً داكناً تبدو ملابسه رثة بعض الشيء، يحمل مسبحة طويلة حباتها من شجر اللالوب ..حبة كبيرة ..نحيل الجسم ربما اضناه الإرهاق البدنى لوقوفه الطويل على قارعة الطريق وحركته الموارة ميمنة وميسرة !!

بينما كنت فى طريقى إلى منزلى فى شمال بحرى ضاحية الدروشاب فى مساء يوم الخميس نهاية الأسبوع الماضى على متن مركبة عامة (حافلة) على طريق بحرى الكدرو ثم الدروشاب، وبالقرب من لفة سوق الأحد عند مدخل الدروشاب شمال شرق مسجد الشهيد إبراهيم شمس الدين ــ رحمه الله ــ هدأت الحافلة السرعة لكى تعبر بسهولة قضيب السكة حديد ...فجأة سمع ركاب الحافل صوت جهور مرتفع عبر نوافذ (البص) يقول بصوت عال (صلوا القيامة قربت) !! نظرنا عبر النوافذ ــ كل الركاب ــ بدهشة وحيرة، فاغراً البعض الأفواه .. من هذا ؟ .. صاحب هذا الصوت المجاور المجاهر؟ ..دققنا الأنظار صوب صاحب الصوت، فإذا هو شاب فى نهاية عقده الرابع كما يبدو من ملامحه يحمل مسبحته الكبيرة ..هو الذى ينادى فى الناس بصوت عال ..(صلوا القيامة قربت) .. إنه الرجل الذى وصفت لكم هيئته فى بداية هذا المقال، وهو يقف جوار قضيب السكة حديد ....ضحك الركاب ضحكات مجلجلة ووقتها عبرت الحافلة قضيب السكة حديد متجهة شرقاً صوب الدروشاب شمال، بينما اتجه صاحب الصوت المنادى الواعظ ــ فى نظرى ــ غرباً وهو ينادى بالعبارة نفسها (صلوا القيامة قربت) .. ركاب السيارات الذين من ورائنا .
انصرف الرجل ..حاولت قراءة ردة فعل الركاب داخل الحافل وفيهم رجال ونساء كبار وشباب، فكانت مجرد ضحكات وبسمات والتفاتات حائرة بعضها ساخر وبارد.
هذا المشهد الدرامى من الشاب صاحب الصوت العالى الواعظ كانت له دلالات مختلفة عندى .. نظرت إلى الأمر من زاوية الدور المهم الذى يلعبه الإعلام والأدب فى نقل وعكس نبض واتجاهات حركة الحياة الاجتماعية فى المجتمع وعند الشعوب، لأن الإعلام يأخذ صورة الأدب فى أنه مرآة عاكسة لحركة الحياة بالنقد والتحليل ووصف الحياة والتوجيه والإرشاد والتنوير والتقويم وتصحيح مسار الحياة، إذا فعلاً استطاع كل من الأدب والإعلام أن يراعى كل واحد منهما قيم وعادات وموروثات المجتمع، داعياً إلى المحامد والفضائل والمكارم، وهنا يلتقى هدف الدعوة مع الإعلام والأدب، لأن الأدب والإعلام جزء من كلية الدعوة، وهنا أعنى بالدعوة ...الدعوة الإسلامية .. دعوة التوحيد والتزام اتباع هدى السنة النبوية المطهرة .
من خلال تجربتى فى العمل الإعلامى والصحافى والكتابة الصحافية، فإننا كثيراً ما نستلهم أفكار ومداخل موضوعات كتاباتنا من المشاهد اليومية لحركة المجتمع والشارع العام، وما يجرى فيهما من تقلبات وتغييرات وتفاصيل دقيقة ...نستلهم هذا ونهتدى به في معالجة موضوعات المقال والخبر والتقرير والحوار والتحقيق والتحليل العام، وهذا هو الدور الأبرز الذى ينبغى ان تتكثف فيه جهود الثلاثى التوأم (الأدب .. الإعلام .. الدعوة) .
حين وصلت البيت وعقدت حلقة حوار داخلى ذاتى مع نفسى خلال مجريات اليوم من بدايته حتى مسائه، حيث آخر مشهد ..مشهد الشاب الذى نادى فينا عالياً ..(صلوا القيامة قربت) ... كان أكثر موضوع نال النقاش فى قرارة نفسى  ... وتداعت إلى فكرى ..لماذا ضحك الركاب واكتفوا بذلك؟ ..هل ما قاله الشاب والذى يبدو مجنوناً أو على الأقل مختلاً عقلياً بعض الشيء غير مهم، لأنه مجرد صراخ من مجنون؟ أيهما يستحق الاهتمام مظهره العام أم الكلام الجميل الذى تفوه به؟ أليس ما قاله صواباً وهدياً؟ ...تذكرت عبارة تقول (خذوا الحكمة من أفواه المجانين) وهى عبارة تستحق حقيقة الاعتناء ...أنا شخصياً لى تجربة شخصية كتبت عنها من قبل أنى تعلمت بيتاً من الشعر من رجل كان يراه الناس مجنوناً أو أقل وصف غير طبيعى . عليه رأيت أن نكتب فى مشهد هذه القصة ...لنقول إن الصورة النمطية المسبقة عن الأشياء والناس تشكل عائقاً كبيراً أمام أن نتعلم ونرتقى وننهض خاصة إذا كانت الصورة النمطية سالبة !! كم من وفوائد تفوت علينا نتيجة أننا ترتسم فى أذهاننا صورة نمطية سالبة دون التحقق من صحتها الواقعية فى حياتنا ...فمشهد الواعظ الشاب الذى قام فينا يقول(صلوا القيامة قربت) ...أعتقد أنها أبلغ موعظة ..موعظة تتكون من ثلاث عبارات ..بليغة ..  موجزة ..قلت ودلت ...وجلت ...أليس الصلاة شعيرة واجبة وهى ركن الإسلام الثانى من ضيعها لا أمانة له، فهو لما سواها أضيع؟ ....أليست القيامة قد اقتربت، وهذه حقيقة أكدها القرآن السنة ..قال الله تعالى (اقتربت الساعة وانشق القمر) سورة القمر الآية (1) والساعة هى القيامة، وقال ــ عليه الصلاة والسلام ــ (بعثت أنا والساعة كهاتين) وأشار إلى أصبعيه السبابة والابهام ... انظر إلى قرب المسافة بينهما، وهذا تصوير تعليمى بلغة الإشارة من النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ  لتقريب الفهم بالتمثيل، وهو من وسائل التعليم ...نعلم القيامة قربت علينا أن نصلى ونجتهد فى المحافظة على الصلاة، فهى أول عمل يحاسب به الإنسان يوم القيامة، ومن فرط فى أدائها فى وقتها وفى جماعة بخشوع حيث ينادى بها فى المساجد فقد ظلم نفسه وساقها إلى هلاكها وهو يعلم .
إذن ما قاله الواعظ (صلوا القيامة قربت) موعظة بليغة أمينة صحيحة لا داعى إلى الضحك والسخرية، لأننا مطالبون بأن نرعى ونهتم بمضمون الرسالة لا تقيم مركز ومصدر الرسالة كيف هو، وهذا من مشكلات المجتمع السالبة التى ينبغى التخلص منها ...الحقيقة والصواب قد يأتيك ممن لا تحب ..ولكن الحق أحق أن يتبع والفضيلة تحرس ...مشكلة بعض الناس أن مصادر المعلومة والحقيقة لها مواصفات طبعتها فى أذهانهم الصورة النمطية المسبقة .
من غرائب ما أختم به مقالى هذا ...كنا ذات مرة قبل سنين مضت فى مسجد الخرطوم الكبير فى حلق عدة فى ظل المسجد فى الجهة الشرقية منه جلوساً ..فمر علينا رجل لا نعرفه، فسلم علينا فى هذه الحلقات المختلفة، فلما فرغ من السلام وذهب إلى حاله سمعت أحد الجالسين فى حلقة بالقرب منا يقول ...(الزول دا مجنون ولا شنو؟).. قلت له لماذا؟ قال سلم على كل الناس ....سبحان الله هذا حال بعضنا (صلوا القيامة قربت) .