الخميس، 23 تشرين2/نوفمبر 2017

board

أدواتنا التراثية .. النسيان يلغى تاريخنا

الموروثات التاريخية والشعبية لكل أمة وشعب ــ ومنها الأدوات والماعون سواء أكانت أدوات عمل فى مجال الزراعة أو التجارة أو الرعى أو الصناعات الخفيفة ــ تمثل حركة ومبادئ الحياة الطبيعية للمجتمع بتفاصيلها والهماتها وتجاربها وخبراتها التى سكبها وابتدعها المجتمع،

لتمثل علامة مسجلة تحمل طابع ثقافته وأدوات هويته المرتكزة على نبض الحياة والحراك الداخلى لمجتمع ما.لكل شعب أو مجتمع أدوات تعارف عليها الناس وتوارثوها على مر الأيام والسنين والقرون، وهى مظهر من مظاهر إبداع العقل الإنسانى الساعى دائماً إلى حل مشكلات الحياة ومواجهة تحدياتها بإبداع واختراع آلات وأدوات يستعين بها فى تسيير دولاب الحياة اليومية فى الحرف والمهن، سواء أكانت فى مجال الرعى أو الزراعة أو التجارة أو الصناعة، وقد تختلف مسميات هذه الأدوات قليلاً بين المدن والقرى والأرياف والبوادى، لكن تظل رابطاً قوياً، ولكل بيئة اجتماعية أدواتها ومسمياتها مع وجود مشترك كبير بينها قد يكون هو الغالب فى هذه المسميات.
القرآن الكريم فى محكم تنزيله فى سورة (الماعون) أوجب الويل، وهو العذاب، على ثلاثة أصناف من الناس هم: الساهون المتناسون لصلاتهم على وقتها، والذين يراءون وهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويحجون وغيرها من أجل السمعة ورياء الناس، ليست عبادة خالصة لله ومن أجل الله الخالق المستحق وحده للعبادة، والصنف الثالث هم الذين يمنعون الماعون. وفى التفسير حين سئل ابن عباس عن معنى الماعون قال: هو الإبرة والفأس والقدر والقصعة.وسورة (الماعون) نزلت فى العاص بن وائل أو الوليد بن المغيرة ... وتوعدت أصنافاً من الناس، وهم الذين يكذبون بالدين وهو يوم القيامة والحساب، والذين يدعون اليتيم أى يدفعونه ويطردونه بعنف عن حقه، والذين لا يحثون أنفسهم ولا غيرهم على الإحسان إلى المساكين، والذين عن صلاتهم ساهون يعنى غافلون عنها ويؤخرونها عن وقتها، والذين يراءون فى صلاتهم وعباداتهم، والذين يمنعون الماعون مثل الإبرة والقدر من الأدوات، يعنى ليست لديهم معاملة مع الناس.
فالقرآن هنا يقرر أن منع الناس من الإبرة والفأس والقدر وهو حلة صنع الطعام والقصعة، كبيرة من الكبائر يعاقب عليها الإنسان، لماذا هذا؟ لأن ديننا دين الإسلام دين الوسطية والمعاملة، وفى الحديث النبوى الشريف (الدين المعاملة) ...ولذلك من أدوات المعاملة فى الدين الإبرة والفأس والقدوم والكوريك والبرازة وغيرها.وإذا كان منع هذه الأدوات التى يستغلها الناس فى تسيير حياتهم كبيرة من الكبائر يعاقب عليها الدين، فإن امتلاكها وبقاءها والمحافظة عليها من أجل استمرار المعاملة فى الدين يعد عبادة لله تعالى وتمسكاً بقواعد الاستخلاف فى الأرض من قبل الإنسان، ولهذا لزم أن يحافظ المجتمع على هذه الأدوات ليس لأنها من أجل أغراض الدنيا ومن متاعها لخدمة الإنسان فحسب، بل هى عبادة لله يثاب عليها الإنسان ويعاقب إذا منعها الناس وتسبب فى إضعاف مبدأ المعاملة فى الدين، التى هى واجب دينى.إن هذا السياق فى المفاهيم يقودنا إلى أن نقول إن هناك أدوات كثيرة فى حياتنا تعد من موروثاتنا القيمة بدأت تختفى وتضيع وتمحى آثارها من الوجود فى حياتنا، بسبب الغفلة وغياب مفهوم الماعون فى حياتنا... الماعون الذى اهتم به القرآن كثيراً وأفرد له سورة كاملة فى كتاب الله تعالى ...هذه الغفلة لم تقف عند عدم اقتناء هذه الأدوات فحسب، بل تناسيها والتغافل عنها نتيجة مؤثرات وانبهار المعاصرة والحداثة المشوهة التى استجدت فى حياة المجتمعات، دون أن تدرى هذه المجتمعات أنها ببعدها عن موروثاتها تفقد طعم ولون ورائحة الحياة الحقيقية التى تعزز مسيرة ريادتها وبقائها أمام سيل العولمة والحداثة المشوهة الجارم للقيم والمثل الثقافية.
أنت اليوم إذا مشيت بين الجيل الجديد وسألتهم عن القدوم (النجار) والمقلاية والحربة والكوكاب والسفروك والقرجة والسرج والبطان والرسن والضناب واللبد والقران والحوية والبرازة والفرار واللداية والدوكة والقرقريبة  والقربة والسعن والخرج (بضم الخاء والراء) والدلو والدموية (بتشديد الدال وضم الميم) ... والتكل والضرا والضحوة  والمسراجة (لمبةالزيت) والقطان (حبل اللمبة) والرتينة والكنبوت والكأس والمرحاكة والدراش والرداد والسربة والنفير والزاملة والمدكاك والمضراية والارساية والفأس والتقدى والمنجل والحشاشة والتورية والكدنكة والسلوكة والفكج (الشقاق) والبنبر والهباب (العنقريب) وأم سادوك والضريب (طعام) والأزمة والكلول والمخرافة والكنتوش والكدنكورة والملوة والمد والزمام والمنقاش وابرة الكورشى وغيرها.. إن سألت هؤلاء من الجيل الجديد عنها، فإن القليل جداً منهم من يدرى ماهية هذه الأشياء التى ذكرتها آنفاً! ومن هنا تنشأ الأزمة والقطيعة الحضارية والثقافية.إن المحافظة على الأدوات التراثية يعد حفاظاً لمقومات حضارتنا وثقافتنا وتراثنا، وتمكيناً لثوابت الهوية البيئية والمكانية، وصوناً للمقومات الشعبية، وامتداداً لمدلول ومصطلح الماعون الذى حثنا القرآن على بقائه، ليستمر عطاء المعاملة في الدين.إننا بحاجة ماسة إلى إعادة النظر وبصورة علمية ومنهجية فى كيفية المحافظة على الماعون التراثى أمام تغول أدوات العولمة المستحدثة بمشكلاتها العديدة.

الأعمدة

خالد كسلا

الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

الصادق الرزيقي

الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

عبدالمحمود الكرنكي

الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

كمال عوض

الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

خالد كسلا

الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

الصادق الرزيقي

الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

إسحق فضل الله

الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017