الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

board

وقفات مع شهر الخيرات

سمته العرب برمضان نسبة إلى الرمضاء في بيئة كانت حصباء جافة حارقة في شبه جزيرة العرب ، وقد وصفها الشاعر .. بأنها جزيرة أجدبت في كل ناحية .. وأخصبت في جوانب الخُلُق والأدب ..

نعم كانت شبه الجزيرة العربية منطقة الصحارى والفلوات والمفازات والحياة القاسية ، من قلة الماء والكلأ إلا حول قليل من الواحات، ورغم هذا اعترف التاريخ الإنساني أن العرب أكثر الشعوب والأمم كرماً وشجاعة وشهامة ونجدة وإغاثة للمحتاج والملهوف والضعيف إذا القوم قالوا من فتى
خلت أنني عنيت
فلم أكسل ولم أتبلد- بكسر الدال  ويقول:
ولست بحلال التلاع مخافة ولكن متى يسترفد القوم أرفد هكذا يفخر الشاعر العربي الجاهلي طرفة بن العبد البكري، ولهذا كان العرب أهل كرم ونجدة ومروءة نادرة سجلها تاريخ الأدب .. وكانت الأشياء عندهم تسمى بهيئاتها وبيئاتها وسماتها نسبة إلى أحوالها ، ولذا سموا الشهر الذي كان يحل في شدة الوقت والحر برمضان نسبة إلى الرمضاء .
رمضان حين أشرق نور الإسلام في شبه جزيرة العرب، أقر اسمه هذا الإسلام ونزل اسمه هذا في القرآن الكريم كلام الله تعالى ، بل أول ما نزل من القرآن كان في شهر رمضان .. اختاره الله تعالى من بين شهور العرب الاثني عشرة، ليكون مبتدأ نزول القرآن فيه تشريفاً وتكريماً .. وهنا فائدة في أهمية اختيار الاسم الجميل للأشياء والأعيان سواء أكانت بيئات وأمكنة ، أو إنسان وحيوان ، وللاسم أثر نفسى واجتماعي على مسماه . رمضان تحول من شدة وقت ومعاناة طقس وجو حار في مفازة قاتلة تحول إلى نعمة مهداة ، وموسم عبادة أعظم .. وشهر خيرات ونعم ومغفرة ورحمة وعتق من نار، وجزاء بالخير والإحسان مضاعف غير ممنون من الخالق الكريم رب رمضان وشوال ورجب وسواها من شهور وأيام ، وصار موسماً للخيرات يحصدها المسلمون كل عام ، ويترقبون لقياه وصيامه ابتغاء مرضاة الله تعالى وفوزاً بثوابه غير المحدود عند الله تعالى ، ولا يعلم بقدره وعدده إلا الله عز وجل .
ورمضان أيامه معدودة محددة شرعاً ، لكنها خير أيام في العالمين ، ولياليه خير الليالي.. رمضان مدرسة من خير المدارس ..مدرسة لتعلم الصبر والثقة بالنفس وقوة التحمل والحلم ولجام النفس عن المساوئ ..مدرسة لتجديد عهد العبودية مع الله الخالق ، وزيادة الإيمان والتزود بالحسنات ، ومضاعفة الثواب.  مدرسة وأية مدرسة تلك التي تدانيها في التكافل الاجتماعي والبر والإحسان إلى ذوي الحاجات ، وتفقد أحوال اليتامى والفقراء والمساكين والمرضى الفقراء .. رمضان مدرسة للإيثار والتعاون والتواصل وإنفاق العفو المادي والمعنوي، والتصالح والتواصل ..                                                                                                                                   مدرسة لتعلم القرآن .. حفظاً وتلاوة وتفسيراً وتدبراً وفقهاً .
في رمضان نية واحدة تكفي للشهر كاملاً، وتجدد إذا انقطعت بعذر من المفطرات نحو سفر شرعي أو مرض أو أية حالة مبيحة للفطر ، والنية شرعاً محلها القلب لا يتلفظ بها، وهكذا في سائر عبادات الإسلام النية محلها القلب ، فلا يقولن أحد نويت صلاة كذا ..أو نويت صيام كذا ، بل يكفى أن يعقد ذلك بقلبه . من أعظم الأعمال في رمضان أداء الصلوات المفروضات في وقتها وفي جماعة ، حيث ينادى بهن ..وصلاة القيام التي هي التراويح .والسحور وصية رسول الله  صلى الله عليه وسلم الخالدة للصائمين ..وقد عد أهل العلم أكثر من مائة فائدة للسحور .. ويكفي قوله صلى الله عليه وسلم (تسحروا، فإن في السحور بركة ) ... والسحور يقوى الصائم على اليوم التالي ، ويمكنه من الدعاء وقت السحر .. وقت نزول الحق عز وجل إلى السماء الدنيا .. ويمكن الصائم من صلاة الفجر حاضراً..صلاة الفجر التي هي قرآن الفجر المشهود بالملائكة والرحمة . ورمضان شهر يجمع الأسر والأصدقاء والإخوان والمعارف والجيران والعوائل على موائد الرحمن ، وفي ذلك قمة السرور والترويح ومتعة الأنس .. في رمضان يفارق المسلم الملاهي ويصادق القرآن والذكر والتلاوة ، فيعمر القلب بنور الإيمان ويحلو الأنس بالله تعالى ، وتنقطع السبل إلا إليه .. رمضان شهر  الإنتاج والعمل والجهاد بلا كسل أو تسويف أو تواكل .
في رمضان فرصة كبيرة للمسلم للتخلص من غمومه وهمومه ومشكلاته بفضل الدعاء ، الذي هو سلاح المؤمن القوي عند المحن والأزمات ، ودعاء الصائم مجاب عند الله حتى يفطر .. ورمضان فرصة للتخلص من العادات السيئة ، وبالتالي هو فرص للصحة والسلامة والعافية والقوة البدنية والروحية والنفسية .. في الصيام صحة وعافية . نسأل الله أن يتقبل صيامنا وقيامنا خالصاً لوجهه الكريم ، وأن يثيبنا وإياكم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ، ولا تنسونا من صالح دعائكم قرائنا الكرام بارك الله لنا ولكم في رمضان شهر البركات والخيرات .

الأعمدة