الخميس، 17 آب/أغسطس 2017

board

المـفـلــس

الناس يكرهون الفلس ، وهو الفقر سواء أكان عادياً أم مدقعاً - كراهية الموت ، لأنه مُهين ومُذل للمرء ، يعكر صفو الحياة، ويعطل تحقيق الأحلام.
يتداول الناس - كثيراً - في أحاديثهم قصص ذم الفلس والفقر ، ويسندون أثراً إلى الإمام علي خليفة رسول الله  - رضى الله عنه - إنه قال( لو كان الفقر رجلاً لقتلته ..) وراسخ في عقل كثير من الناس،

أن الفلس والفقر عيب اجتماعي ينقص من قيمة الإنسان في نظر الناس ، وهو معيار خاطئ .
إذا كان الفلس الذي يجعل الإنسان يطلق عليه مسمى مفلس ، وهو عديم المال ويعد في نظر بعض الناس عيباً اجتماعياً كما ذكرت بهذا الإيلام النفسي والاجتماعي والحياتي ، وهو في صوره المادية مؤلم ، دعوني أحدثكم عن الفلس والمفلس الأشد إيلاماً وحسرة وخسارة  فادحة لا تعوض. سأل النبى - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم أصحابه (أتدرون من المفلس ) ؟ قال الصحابة : رضوان الله عليهم أجمعين ..المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار ، فرد عليهم النبى - صلى الله عليه وسلم- المفلس من أمتى من يأتي يوم القيامة بحسنات كثيرة ، وقد شتم هذا ؛ وضرب هذا ، وسفك دم هذا ، فيأخذ من حسناته ويعطى هذا ، ويعطى هذا ، حتى إذا فنيت حسناته ولم يقضى عنه ، أخذت من سيئاتهم وطرحت عليه ثم طرح في النار ..أو كما قال النبي - عليه الصلاة والسلام..هذا هو المفلس في المصطلح الحقيقي ، وهو الخاسر النادم الحقيقي يوم القيامة . يا أكلة مال الأيتام اعلموا أنكم مفلسون يوم القيامة ، وإن تباهيتم بها في الدنيا .. يا آكلي الأموال العامة رشوة ، اختلاساً، سرقة ، تزويراً، محسوبية ، فساداً باستغلال النفوذ ، و استغلالاً للوساطة المحرمة اعلموا أنكم المفلسون حقاً يوم يزول سلطان البشر ويبقى سلطان رب البشر .. يا سفكة الدماء .. دماء البرايا والمظلومين والمقهورين ، اعلموا أنكم أشد الناس ندامة وخسارة يوم تسألكم هذه النفوس لماذا أحياها خالقها وانتهكتم أنتم حقوقها بسفك دمائها ظلماً ؟ .. يا أيها المانع زكاته خوفاً من هلاك ماله ، ومعرضاً عن قول نبيه (ما نقص مال من صدقة ) أعلم أنك في هلاك شديد في الدنيا والآخرة ؛ وأنك أنت المفلس الذي لا بواكي عليه في الآخرة ، لأنك منعت حق الله من عباده !
أيها المستحلون الحرمات في العرض والأرض والمال والنفس والعقل ، أبشروا بالإفلاس التام يوم القيامة ،إن لم تتداركوا أنفسكم بالتوبة النصوح .. يا أصحاب الألسن الزفرات النابيات الوقحات ، أنتم من المفلسين ، فألحقوا بأنفسكم قبل أن تكبوا على وجوهكم في نار جهنم وبئس الإفلاس والمصير المر .. أيها الراكبون مراكب النميمة والقطيعة والسخرية والكبر والتباهي أنتم في خطر عظيم ، وعلى موعد مع الإفلاس الذي ليس بعده تجارة أو استثمار ، فسابقوا إلى التوبة والإنابة قبل فوات الأوان .. أيها المفاخرون بالقبيلة والنسب والجاه والسلطان ، أنتم على شفا حفرة عظيمة من النيران ، لأنكم عدتم القهقرى إلى الجاهلية الأولى جاهلية المفاخر والتباهي الفاسد المفسد ، وهذا هو الإفلاس الحقيقي الذي حذرنا منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. أيها المشاؤون بين الناس بالفتنة والقطيعة ، لقد دنا عذابكم ، واقترب يوم الإفلاس ، ففروا إلى الله قبل مجيئه . كيف نفر إلى الله نحن جميعاً، وقد قصرنا في جناب الله تعالى؟ الفرار إلى الله سهلاً ، والتوبة إليه أسهل ، ونيل رحمة الله أسهل منهما جميعاً .. نفر إلى الله بالآتى :
1- الاستغفار يمحو الذنوب والسيئات .. وبذكر الله تنال محبة الله وقربه وعونه وتأييده .
2- التوبة النصوحة تجُب وتمحو ما قبلها من كبائر وذنوب ، كما الإسلام يجب كبائر الكافر والمنافق إذا أسلما.. وإن الله تعالى ليفرح بتوبة عبده إليه فرحاً شديداً ، كما أخبر بذلك النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم.
3- الحسنات والأعمال الصالحة الخالصة تكفر الذنوب والسيئات.. كالصلاة والصوم والحج والعمرة ، وبر الوالدين والجهاد والزكاة والصدقات ، والإحسان إلى الفقراء والأيتام والمرضى والحيوان ..وحسن الخلق والدعوة إلى الله على علم وحكمة وبصيرة وإخلاص .
4- الصبر على الابتلاءات والمصائب والاحتساب عند الله، على أنها أقدار الله المؤلمة التي، هي كفارة للذنوب . هذه تكون في الدنيا ، وهناك كفارات وشفاعات في الآخرة منها :
1- هول القبر وضمته في الحياة البرزخية بعد الدنيا وقبل البعث، وفي ذلك إثبات لعذاب القبر الذي أنكره بعضهم جهلاً
2- هول وخوف المطلع عندما يقوم الناس من قبورهم ،حين يرون أرضاً جرداء لا شجر ولا ظل ولا عمران تسمى الساهرة ، وهي أرض الموقف والحساب ، ويرون الملائكة والجن والنار والصراط ، وأشكالاً غريبة من الأمم وكثرة الناس والزحام ، والشعور بالغربة وغياب الأنيس في يوم طويل للحساب مقداره خمسين ألف سنة ، والشمس دانية من الرؤوس ، والناس في موقف عظيم لايكلم أحد أحداً ، فهذا المشهد المخيف يمثل كفارة للذنوب بفضل الله تعالى ورحمته بالخلق .
3- ثم تأتي شفاعة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - ثم شفاعات البشر الشهداء .. الأطفال .. الأصحاب الصالحين وغيرهم .
4- ثم شفاعة الله الكبرى لعباده المؤمنين ، لمن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان . وكل هذه المكفرات والشفاعات، إنما فقط لأهل الإيمان والإسلام، أما المنافقون والكفار، فلا شفيع لهم إلا النار- نعوذ بالله من النار - ولذلك لا تنفع صلاة ولاصيام وحج ولازكاة ، وأعمال صالحات وقربات وحسن خلق ، وإنسانيات حنينة إذا فقد صاحبها الإيمان والإسلام .. فلا شفاعة لمشرك أو كافر ولا توبة بعد البعث .. ولذلك توحيد الله والإيمان به رباً وإلهاً وبمحمد نبياً ورسولاً ،  بالجنة والنار حقاً، هو طريق النجاة الوحيد من فلس يوم القيامة.