الثلاثاء، 27 حزيران/يونيو 2017

board

نحو واتساب إسلامي

الكلمة المكتوبة أو المنطوقة عهدة وأمانة في عنق صاحبها يترتب عليها كثير من الأمور والمسؤوليات الأخلاقية والقانونية والقيمية، وقد أشار القرآن الكريم مبكراً إلى هذه المسؤولية وتلك الأمانة وهذا الميثاق الغليظ نحو الذات والمجتمع والحياة العامة ،

فقال تعالى (ما ينطق من قول إلا لديه رقيب عتيد ) وفي موضع آخر من القرآن العزيز يقول الله تعالى ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ) ، فالآية الأولى تشير بوضوح تام إلى أن كلمات وأقوال وأفعال الإنسان اليومية في أية لحظة من الزمان محسوبة له أو عليه ، وأن هناك معياراً وميزاناً دقيقاً يصنف هذا الأقوال وتلك الكلمات ويحصيها (رقيب وعتيد) و اللفظان فيهما دلالة قوية على المتابعة والتدقيق واستحالة فلتان شيء من المراقبة والمتابعة ، وهناك آيات كثيرة في القرآن العظيم حافلة بهذه المعاني وتلك الدلالات المدهشة .
وتتناول الآية الأخرى - المذكورة هنا بعدها - أحكاماً عامة أشمل ومفصلة ، بدأت بالتفصيل ، فأشارت إلى آلات وأدوات الفعل والحدث الصوتى للإنسان ممثلاً في الفؤاد (القلب) ، وهو الناطق الحقيقي ومكان الفكر والتصوير والتصور الأول قبل الدماغ والأعصاب والأوعية، وثنت من جهة الختام إلى البداية بالبصر بحسبانه الدالة على عمليات وخطوات تكون التصور والخواطر والخيال والشعور الداخلي الذي يترجم إلى أفعال وأقوال وأفكار، وذلك عبر عدسة العين (البصر) ، فهي جامعة الصور والمشاهد التي على لوحة الكون الزاهية ، ولهذا يعد البصر من أعظم نعم الله علينا ، وهناك وعد في السنة النبوية أن من فقد حبيبته (العين) ثم صبر ، فإن جزاءه الجنة ، ثم ثلثت الآية بأداة مهمة وظيفتها التحكم في كل هذه العمليات ثم تقوم بالنقل الأمين للأصوات والألفاظ بعد وعيها بصرف النظر عن الإيجابية فيها أو السلبية إلى مظان القلب والدماغ بغرض التصوير والتخيل وإنتاج الفكرة ، ولذلك نعمة السمع هي الأخرى نعمة عظيمة سميع كريم ، فمن فقدها فقد ركناً حيوياً من الحياة الاجتماعية وموسيقى للأصوات الكونية الطبيعية .
وحين يعمد القرآن إلى تجلية هذه الحقائق في عالم الأحياء ، ومنهم الإنسان على وجه التخصيص يريد أن ينقل الإنسان عبر القيم والمسؤولية الأخلاقية والقيمية من عالم البهم والهمل واللهو والعبث والعجمة والمجهول, إلى عالم العقل والإدراك والمسؤولية والجدية والبلاغة الواضحة والمعلوم بعيداً عن عالم الحيوان والعجماوات، وبعد هذا رتب على تصرف الإنسان مسؤولية داخلية ذاتية ، ومسؤولية خارجية قانونية ودينية واجتماعية يخضع لهما الإنسان مباشرة حكما وقد يفر عنهما سلوكاً وفعلا .
ما دعاني إلى مناقشة هذه الفكرة التحولات الكبيرة التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي في حياة الناس ، وهي بحسبان ماهيتها أن نعمة كبيرة ، هي من جانب آخر نقمة عظيمة وخطر ليس وراءه خطر أشد منه وقعا واثرا على حياة الناس ، ويأتي في مقدمة هذا الوسائل (الواتساب) الذي ملأ الدنيا ضجيجا وصراخا وشغل الناس ووأد الأوقات وفرق التجمعات التقليدية ووضع نظام الأسرة الإسلامية أمام تحدٍ كبير وهو يحاول جاداً إيجاد جذر منفصلة داخل محيط الأسرة الواحدة , وكثر به اللقيط واللقط ، وامتلأت بجرائمه محاكم المعلوماتية أمام القضاء ، وبه صارت الشائعات السياسية والاجتماعية والثقافية والرياضية ...أقصد الشائعات التي تتناول بالحديث هذه الملفات المهمة في حياة الناس .. وبهذا وهو قليل من كثير صار الواتساب نتيجة سهولة التعامل مع تقنياته لكل الفئات الخطر الداهم الذي يحتاج الناس معه إلى تحوط وصحوة ووعي ومعرفة راسخة لنحول هذه النقمات إلى نعمات وسعادة بدل قلق وسهر وضياع وأوهام إلى حياة اجتماعية آمنة ومستقرة ، وأرى أن يكون ذلك عبر مشروع يمكن أن نطلق عليه اسم نحو واتساب إسلامي، تنطلق فكرة المشروع ورؤيته من أهمية التعامل مع المفردة واللفظة والكلمة في مفهوم الفكر الإسلامي، وطرق تأمين ونقل هذه الكلمة إلى الآخرين وللحضارية الإسلامية في هذا الجانب باع لا يسبق بما يعرف بفن الرواية والجرح والتعديل والنقل المضبوط. نواصل .