الخميس، 23 تشرين2/نوفمبر 2017

board

تقرير المصير لجبال النوبة أم لجنوب كردفان؟! (1)

ظلت الرقعة الجغرافية التى تمثل اليوم ولاية جنوب كردفان لأكثر من ثلاثين عاماً مرتعاً خصباً للعبة المصالح الذاتية المحلية والمركزية والإقليمية والدولية في ما يتصل بأهمية استمرار الحرب والنزاعات حتى تحافظ تلك الجهات على مصالحها ما دامت الحرب وعوامل وقودها المساعدة حاضرة تتقاطع وتتعاضد أحياناً،

وتتحد وتتلاقى أحياناً أخرى حسب معطيات الواقع نتيجة تغيير أدوات الصراع.
ولاية جنوب كردفان خرجت إلى الوجود بمرسوم جمهورى سنة 1994م وتشكل لها أول جهاز تشريعى (المجلس التشريعى) سنة 1995م برئاسة محمد الحاج عبد الرزاق، وهو نفسه المجلس التشريعى الذى قدم توصية لرئاسة الجمهورية وديوان الحكم الاتحادى بأهمية تقسيم هذه الرقعة الجغرافية الواسعة إلى جزءين بقيام ولاية شرق كردفان، لما رأى استحالة إدارة هذه الرقعة الكبيرة من كادقلى، مستنداً إلى قانون الحكم الاتحادى نفسه الذى من أهم موجهات فلسفة تنزيله تقصير الظل الإدارى، ولو استجاب وقتها المركز لتلك التوصية الموضوعية لتجنبت البلاد مشكلة تدخل المصالح الإقليمية لدول الجوار يوغندا ... كينيا ... تنزانيا ... إريتريا ...إثيوبيا ... ومصر، حيث تدخل تلك الدول لصالح الحركة الشعبية أضر بولاية جنوب كردفان، عندما سعت للنيل من السودان بتحقيق مصالحها الداخلية، فكان دعم التمرد والحركة الشعبية بقيادة الهالك الدكتور جون قرن الذى احتضنته كمبالا وأسمرا وأديس أبابا والقاهرة ونيروبى ودار السلام وقدمته للقوة الدولية الشريرة مبرأً من كل عيب وخطيئة، وكان هذا خطأً استراتيجياً لتلك الدول هددت به السلام والأمن الإقليمى فى القرن الإفريقى ومنطقة شرق ووسط إفريقيا.
القوة الدولية الشريرة بقيادة الاتحاد السوفيتى ثم الولايات المتحدة الأمريكية ثم أوربا، رحبت بدعم قرن غير المحدود دون شرط أو قيد سوى التزام جون قرن بتنزيل فكرة مشروعه السياسى والفكرى ... مشروع السودان الجديد المنبنية فلسفته على فكرة إعادة هيكلة السودان على أسس جديدة فى قضيتى الحكم والهوية، وقد استلهم الهالك الدكتور جون قرن دي مبيور الفكرة من تجربتى تنزانيا وجنوب إفريقيا، ومما يحسب من إنجازات حزب منبر السلام العادل وقوى دعوية وفكرية من علماء ودعاة وأئمة مساجد وأكاديميين وصحافيين وإعلاميين وطائفة عريضة من أجهزة أمنية، هزيمة أجندة مشروع السودان الجديد، وقد كان لتيار ثم حزب منبر السلام العادل نصيب الأسد فى هذا الشرف الوطنى، ومهما قيل من مساوئ لانفصال جنوب السودان فإن بقاء السودان موحداً مع إطار تنزيل فكرة مشروع السودان الجديد كان سيكون الكارثة الكبرى التى ستدمر السودان وتقضي عليه كلياً، ولذلك كانت هزيمة مشروع السودان الجديد ضربة قاتلة للحركة الشعبية لتحرير السودان ــ على حد زعمها ــ من الإسلام والثقافة العربية، ما يمكن أن نصطلح عليه بمصطلح الاستئصال الحضارى، وضربة قاتلة أيضاً لقوى إقليمية متآمرة وقوى دولية شريرة متربصة.
إذن الحال فى جنوب كردفان مازال يعانى من تداعيات صراع المصالح الإقليمية والدولية مع حالة تأخر فى اتخاذ القرار المناسب للدولة وتفعيل الدستور وقانون الحكم الاتحادى، ومما يزيد الأمر لبساً وإشكالاً عدم حسم مصطلح وتسمية تلك الرقعة الجغرافية، فحين يسميها الدستور بنص قانون الحكم الاتحادى ولاية جنوب كردفان، جاءت اتفاقية السلام الشامل المعروفة(بنيفاشا) لتطلق على جنوب كردفان (جنوب كردفان ــ جبال النوبة)، وجاءت الآلية رفيعة المستوى التابعة للاتحاد الإفريقى مستهلكة لمصطلح القوى الغربية التى اصطلحت عليها اسم المنطقتين هى والنيل الأزرق، وترى قوى محلية من إثنية محددة فى جنوب كردفان أن الإنقاذ أخطأت فى تسمية تلك الرقعة الجغرافية وكان الصواب أن تسمى ولاية جبال النوبة، حتى أن أحد الكتاب فى صحيفة (ألوان) ظل يشير إلى تلك الفكرة من وقت ﻵخر!! وهو المصطلح ذاته (جبال النوبة) الذى اعتمدته الحركة الشعبية لتحرير السودان فى خطابها السياسى والإعلامى مقرة بذلك تسمية اتفاقية نيفاشا التى اختزلت جنوب كردفان فى جبال النوبة بصورة تفسيرية وتأطيرية ....(جنوب كردفان ــ جبال النوبة)، ومن هذا المفهوم تنطلق الحركة الشعبية وتطلق مصطلح جبال النوبة وتميز ما تسميه مناطق نفوذها خارج سيطرة الحكومة بالمناطق المحررة من جبال النوبة!!
إذن هناك تواطؤ ــ أى اتفاق وتقارب ــ بين منطلقات الحركة الشعبية وقوى من نخب وساسة من أبناء جنوب كردفان خارج المنظومة التنظيمية للحركة الشعبية يخدمون أهدافها الاستراتيجية ﻹطالة أمد الحرب والأزمة فى جنوب كردفان التى طرحت الآن ــ أعنى الحركة الشعبية بنسختها الجديدة بقيادة الحلو ــ تقرير مصير جبال النوبة.
وطالعنا بتاريخ الأحد 15/10/2017م بياناً موقعاً باسم الهيئة التنسيقية العليا لمنبر أبناء المنطقة الشرقية المحليات الثمانى ــ علماً بأن جنوب كردفان بها سبع عشرة محلية، تسع محليات فى المنطقة الغربية (جبال النوبة)، وثمانى محليات فى المنطقة الشرقية ــ ورفض بيان الهيئة التنسيقية لمنبر أبناء الشرقية المحليات الثمانى تسمية ولاية جنوب كردفان (جبال النوبة)، ورفض مطالبة الحركة الشعبية بتقرير المصير، وأكد أن المنطقة الشرقية المحليات الثمانى خارج المنظومة الجغرافية والثقافية لمنطقة جبال النوبة الغربية، ودعا الدولة إلى الاعتراف بالمطلب الجماهيرى ﻷبناء الشرقية بقيام ولاية شرق كردفان المستوفية لشروط نشوء الولايات، وإكمال مشروع الطريق الدائرى، ودعا البيان أبناء المنطقة الشرقية المحليات الثمانى إلى الالتفاف حول قضايا المنطقة الاستراتيجية المتمثلة حسب نص البيان فى قيام ولاية شرق كردفان، وإكمال مشروع الطريق الدائرى وجامعة شرق كردفان التى وصفها البيان بالصرح الذى نشأ قوياً، حيث بها الآن تسع كليات وثلاث كليات تدخل العام القادم اكتملت ترتيباتها، وأكد البيان التمسك بوحدة السودان فى إطار مظلة الحكم الاتحادى، وهو البيان الرابع الذى تصدره الهيئة التنسيقية لمنبر أبناء المنطقة الشرقية، وكل بياناتها ركزت على أحقية قيام ولاية شرق كردفان والطريق الدائرى وجامعة شرق كردفان، وأن المنطقة الشرقية لم تكن منطقة حرب إلا بعد نيفاشا، حيث جرت إليها الحرب بمخطط من الحركة الشعبية، وركزت البيانات على أن المنطقة الشرقية متجانسة بكل قبائل السودان.
لقد صدقت نبوءتنا عندما أكدت فى مقالات سابقة أن عبد العزيز آدم الحلو سيكون أسوأ من عرمان وعقار، وسيكون أكثر تطرفاً، والآن هذه بداية مرحلة ثالثة من اختطاف قضية جنوب كردفان بعد مرحلتى جون قرن ثم عرمان وعقار والحلو.. والأخيرة مرحلة الحلو وحده، وذكرت من قبل وأكرر هنا أن مصير الحلو أيضاً سيكون الإبعاد من ملف الحركة الشعبية ولو بعد حين، لكن يبقى السؤال: ﻷية رقعة جغرافية تطرح الحركة خيار تقرير المصير... جنوب كردفان بشقيها الغربى والشرقى، أم للمنطقة الغربية (جبال النوبة)؟ حيث يرى أبناء المنطقة الشرقية المحليات الثمانى أن منطقتهم ليست جزءاً من منظومة جبال النوبة جغرافياً وثقافياً وتاريخياً وإثنياً، وأن جنوب كردفان بها كل قبائل السودان.. وسنحاول الإجابة عن السؤال فى مقال لاحقاً بإذن الله تعالى.

الأعمدة