الخميس، 24 أيار 2018

board

الطــــــلاق ..تصدعات (بيت الزوجية)

تحقيق: منى النور
ثمة مؤشرات مهمة يمكن قراءتها من نسبة ارتفاع معدلات الطلاق، وأول هذه المؤشرات أن الكيان الأسري بدأ بالتفكك وانفراط عقد (الأبوة والأمومة)، وهي ظاهرة تمتد آثارها الجانبية لأطراف أخرى (لا ذنب لهم)، قد تقودهم إلى براثن الانحراف وأوكار الجريمة،

فتلك الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية، تشير لتلك التصدعات والثقوب التي انتابت (بيت الزوجية)، أضف إليها ما تنظر فيه قاعات محاكم الأحوال الشخصية، وما يحمله المحامون من قوائم ومطالبات نسائية بإنهاء الحياة الزوجية..(الانتباهة) وبعد الإحصاءات المخيفة والمؤشرات الواضحة وضعت هذه القضية أمام مختصين في الشأن القانوني والاجتماعي والشرعي، لمعرفة ما وراء ارتفاع هذه النسب المخيفة، وماذا طرأ على مجتمعنا السوداني؟ وهل هناك بالفعل مشكلة في قانون الأحوال الشخصية ؟، هذا ما سنحاول الإجابة عليه.
مشاحنات أسرية
كشفت دراسة حول الطلاق الواقع والحلول، أعدتها دائرة الأحوال الإحصائية بالمحكمة القومية، عن زيادة معدلات الطلاق بالبلاد، حيث بلغت الحالات في العام 2016 (716) ألفاً و(392) حالة بواسطة المحاكم والمأذون، وبلغت بالخرطوم (6) آلاف و (693) أي بزيادة نسبة (67%) مقارنة بالعام السابق الذي وصلت فيه لنحو (10.011) حالة طلاق، كما أظهرت الدراسة عن ارتفاع النسبة في القطاع الاوسط (2334) بواسطة المأذون بإجمالي (6106) بنسبة (38%)، بينما بلغت النسبة بالولاية الشمالية ونهر النيل (2.299) بنسبة (30%)، فيما بلغت النسبة في ولاية البحر الأحمر (1071) بنسبة (45%)، وفي ولاية كسلا بلغت (4076) بنسبة (37%) وبلغت النسبة في شمال كردفان (40%) بعدد (1740) حالة تمت عبر المحاكم و(1580) بواسطة المأذون. وأرجعت الدراسة أسباب الطلاق للمشاحنات الأسرية المتكررة بين الأسرتين الكبيرة والصغيرة.
طلاق العنف
الخبير القانوني الأستاذ كمال الصادق قال في حديثه لـ(الانتباهة): إن قضايا الطلاق والأحوال الشخصية تحتل حيزاً كبيراً في محاكم الأحوال الشخصية، حيث احتلت أم درمان المرتبة الأولى لاستلامها يومياً ما بين (15-20) عريضة طلاق، مشيراً لوجود (6) محاكم في أم درمان تستلم يومياً حوالي (90) عريضة، في كل محاكم أم درمان، كما ترتفع النسبة في محكمة دار السلام، وقال إن الطلاق ينقسم لطلاق الغيبة والمرض والطلاق لعدم الإنفاق والضرر، لافتاً إلى أن أكثر أنواع الطلاق شيوعاً الطلاق للعنف والضرر، مضيفاً بأن المحكمة حددت الطلاق بالضرر بتعريفه بأنه الضرر الذي يتعذر معه العيش الذي لا يليق بمثيلاتها، وأرجع أسباب الطلاق للظروف المعيشية التي تقود الزوج للتقصير في متطلبات الأسرة، وقال أغلب المشاكل بسبب المصاريف، كما يلعب تدخل الأسرة الكبيرة (الأم والأب) في شؤون الزوجين دوراً كبيراً في ارتفاع نسبة الطلاق .
فيما يرى حسين يحيى المحامي، أن نسبة الطلاق في محاكم الأحوال الشخصية تفوق الـ70%، لافتاً إلى أن قضايا الأحوال الشخصية أضحت الشغل الشاغل لمعظم المحاكم، وأرجع أسباب الطلاق لبناء الزواج على النظرة المادية البحتة، وبعد الأسر والمجتمعات عن المفهوم الشرعي للزواج (أقلهن مهراً أكثرهن بركة)، والركض خلف الحداثة والعولمة، مؤكداً أن عدم الشفافية والواقعية في الحياة سبب جوهري للكثير من الطلاقات بالمحاكم، وقال: إن الحياة لا تستقيم إلا بتقديم التنازل من الطرفين، الأمر الذي أصبح مفقوداً اليوم نسبة لارتفاع سقف الطلبات عند النساء، وقال يحيى إن الطلاق الذي يتم عبر المحكمة يسمى تطليق وليس طلاقاً، وهو من حق الزوجة، نافياً أن يكون قانون الأحوال الشخصية به ضعف أوينحاز للمرأة .
آثار مدمرة
الباحثة الاجتماعية ثريا إبراهيم، تناولت الآثار الاجتماعية للطلاق على الأسرة والأطفال، وقالت لـ(الانتباهة): هناك الكثير من الأسباب التي تؤدي للطلاق، منها سوء الاختيار وعدم التوافق الفكري والعاطفي والحرية في الاختيار، إضافة إلى أن الكثير من الأسر الكبيرة تلعب دوراً كبيراً في الطلاق وافتعال المشاكل، بجانب إصابة أحد الشريكين بالعقم، مشيرة إلى أن الطلاق تصاحبه مشاكل كثيرة ومعقدة منها حضانة الأطفال والغيرة التي تصل لحد القتل. وقالت إن شريحة الأطفال تعاني كثيراً بسبب افتراق الزوجين، وقد يتحول الأطفال لفاقد تربوي لعدم استقرار الأسرة خاصة إذا لم تكن الأوضاع الاقتصادية جيدة، كما تؤكد ثريا أن الآثار تمتد حتى نظرة المجتمع للمرأة والرجل المطلق في آن واحد، فالطلاق له تأثير سالب على الصحة النفسية والجسدية للمطلقين، حيث يمكن أن يسهم في تغيير مكانتهم الاجتماعية بانتقالهما من خانة الزواج لخانة الطلاق، وهذا بالطبع يمكن أن يقلل من المكانة الاجتماعية لكل من الطرفين، لافتة إلى أن (75%) من التشرد سببه الرئيس الطلاق، الذي أصبحت معدلاته تفوق التوقع. وترى ثريا أن الآثار الناجمة عن ظاهرة الطلاق خطيرة ومؤلمة وقد تلقي بظلالها على المجتمع بشكل عام، والأسرة بشكل خاص حيث تظهر في تشتت الأسرة وضياع الأبناء والحرمان العاطفي للأطفال، الذي يقود للانحراف ووقوعهم في براثن التجريم والمخدرات. حيث إن الطلاق يكون بمثابة الصدمة، التي تقود لتشرد الأبناء ووقوعهم في أيدي المجرمين والمخدرات. وأوضحت أن أبناء المطلقين والمطلقات أكثر عرضة للإصابة بالمشاكل النفسية والجسدية عن غيرهم، أما عن تأثير الطلاق على المجتمع، فيظهر ذلك من خلال الكراهية والخصام التي تظهر بين الأسرتين، لاسيما من أقارب طرفي النزاع إذا تصّعد الأمر إلى المحاكم، وأخيراً قد تصاب المطلقة أو المطلق بالاكتئاب والانعزال واليأس والإحباط، وتسيطر على عقولهم أوهام وأفكار وأشياء أخرى قد تقودهم إلى ارتكاب جرائم.
علاقة طردية
الخبير الاقتصادي د.هيثم فتحي، يرى أن الاقتصاد يعد محوراً استراتيجياً في ارتفاع نسبة الطلاق وقال لـ(الانتباهة) كلما ارتفعت نسبة الفقر في المجتمعات تزايدت معها حالات الطلاق، فثمة علاقة طردية بينهما لافتاً إلى أنه في حال عدم تمكن المواطن الفقير من توفير حاجيات أسرته الأساسية والإنفاق على متطلباتها، يصبح الطلاق حلاً يلجأ إليه الكثيرون للتخفيف من حدة الفقر والهروب من الواقع المرير لواقع أقسى، كما هو حال مجتمعنا اليوم الذي تزايدت فيه نسبة الطلاق بسبب الأوضاع الاقتصادية المخيفة. وأرجع أسباب الطلاق لارتباط الفتيات المتعلمات بالزواج برجال أقل تعليماً منهن، فيضيع التفاهم بين الجانبين إضافة لقلة الأجور وإظهار عدم الإنفاق من جانب الأزواج، لذلك أغلب قضايا الطلاق في المحاكم الشرعية للغيبة والإعسار، بجانب عدم المقدرة المالية والتهرب من المسؤولية والاغتراب من أجل تحسين الأوضاع المعيشية، كل ذلك أسهم إلى حد كبير في ضياع الأبناء بسبب غياب أحد الزوجين، الأم أو الأب لفترات طويلة، كما يلعب النزوح وعدم الاستقرار دوراً مهماً في الطلاق، كل ذلك وغيره من الأسباب أسهم في تزايد حالات الطلاق واحتلال البلاد مراتب متقدمة عالمياً، وقال فتحي إن قلة الأجور للموظفين أظهرت عدم القدرة على الإنفاق من جانب الأزواج، لذلك نجد حوالي 70% من قضايا الطلاق في المحاكم الشرعية للغيبة والإعسار، وتمتد الآثار الاقتصادية على المرأة المطلقة والتي قد تصاب بالعوز المالي والفقر، إذا لم يكن لها مورد رزق مستقل. إضافة إلى الشعور بالخوف والقلق على المستقبل وتراكم الهموم والأمراض النفسية عليها، فضلاً عن تضاءل فرص الزواج مرة ثانية للاعتبارات الاجتماعية والتقاليد المترسخة حول المرأة المطلقة.
عدم مصداقية :
فيما يرى الشيخ حسين القوني المأذون الشرعي، في حديثه لـ(الانتباهة ) أن الطلاق أصبح يحدث لأبسط ، لافتاً إلى أنه في حال طلبت المرأة الطلاق لاسباب غير شرعية تحرم عليها رائحة الجنة، مؤكداً أن المودة والرحمة تأتي عبر التفاهم والاشتياق لبعضهم البعض وزيارة صلة الأرحام التي تعتبر نوعاً من التودد والرحمة، وقال إذا تفهم المجتمع معنى الميثاق الغليظ للزواج أمام الله والملأ لتمت المحافظة عليه بكل الطرق، مضيفاً بأن الطلاق شرع لإنهاء علاقة زوجية لم تحقق المراد الشرعي لها، وقال إن الإسلام كره الطلاق ونفر منه كما جاء في حديث عبد الله بن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (أبغض الحلال عند الله الطلاق) غير أنه قد يصبح حلاً أحياناً لا مفر منه، بقصد تلافي الأضرار الناجمة عن زواج فاشل يكون بقاء رابط الزواج واستمراره له انعكاسات سلبية على الأبناء والأسرة، مشيراً، إلى أن معظم أسباب الطلاق اليوم واهية وغير منطقية.
اتقوا الله في النساء
الشيخ الداعية أسامة سليمان، يعزو انتشار ظاهرة الطلاق، إلى البعد عن قيم الدين والفهم الصحيح لمقاصد الزواج. وقال لـ(الانتباهة)، إن بُعد الناس عن التعبد بشعيرة الزواج والتقرب إليه سبب في تفشي الظاهرة التي وصفها بالخطيرة، وأضاف: إن الله أباح الفراق (الطلاق) فيما بين الزوجين وعلى الآباء والأمهات أن يجتهدوا في توعية بناتهم بمسائل الزواج، الذي هو ليس دفعاً للمال والمهر وإيجار الصالات وقضاء شهر عسل في الأماكن المختلفة، وإنما هو سترة وقبول بالآخر وهو الرباط الشرعي، وكما نعبد الله بالصلاة نعبده بهذه الشعيرة المباركة.
وقال إن من أخطر إفرازات الطلاق هو هذا الفاقد التربوي، أضف إلى ذلك أن الله سبحانه وتعالى سمى عقد الزواج بين الرجل والمرأة بـ(الميثاق الغليظ) ولو عرف الناس قدر هذا الميثاق عند الله وإن كان هو حل لمشاكل ما تطرقوا له بحال من الأحوال، ونقول إنه يفرح الشيطان ويغضب الرحمن ونبينا صلى الله عليه وسلم أوصانا بالنساء خيراً، وكذلك المرأة خلقت من ضلع أعوج، إذا أردت أن تقومه كسرته، وقالوا إعوجاج الضلع لحماية القلب، وندعو كل منظمات المجتمع المدني وكل الدعاة في المنابر المختلفة أن يتحدثوا للحد من هذه الظاهرة، وأن يبصروا الشباب بتلك المخاطر، صحيح هناك إشكالات تحدث هنا وهناك، فما من مشكلة إلا ولها حل، ونرجو من بناتنا أن يتقين الله سبحانه وتعالى في أزواجهن، وألا يمنحوا الشيطان فرصة أن يفرق بينهم.
وفيما يتعلق بالشكاوى يقول شيخ أسامة ترد إلينا الكثير من الشكاوى التي تطلب فتوى حول وقوع الطلاق، وهذا ما نرجع به كثيراً إلى المجمع الفقهي الإسلامي أو هيئة علماء السودان، مشيراً إلى أنه ومن خلال ما يرد إليه يلاحظ أن معظم الإشكالات تتعلق ببيت الزوجية والظروف الاقتصادية والمشادات الكلامية ونقول في الختام اتقوا الله في النساء.