السبت، 26 أيار 2018

board

وصية ورقة.. د. عمرو إبراهيم مصطفى

هانذا الآن استلقى على فراشي، ملقي فيه مثل ورقة قديمة على سطح رف خزانة مملوئة بذرات التراب الناعم . ومثل ذرات التراب تنساب الصور والمشاهد على ذاكرتي ثقيلة وبطيئة مثل أنفاسي تماماً .

الآن يمر شريط حياتي أمامه كله. أردد في خوف ممزوج بيأس وأمل في النجاة « فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد» أرددها «فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد « .
 أرددها ودموعي تنساب على وجنتي دافئة، تبدأ إحداهما ببطء ثم تسرع . تسرع عندما تعرف طريقها، تمر عبر عنقي بسرعة كمذنب يقطع السراط . ولكنه يسقط . أنا مذنب .
 تستقر تلك الدمعة أسفل عنقي على سطح وسادتي القطنية لتلحق بأخوتها .
 ويا للعجب!! يتحول دفئها الى برودة تزعجني وأنا غير قادر على الحراك .
 لم أكن أخاف الموت في شبابي، ولكني كنت أخاف العجز . كنت أخاف أن أعجز عن مساعدة شيخ كبير يحمل حملاً ثقيلاً .
 أخاف أن أعجز عن قول الحق، أخاف أن أعجز عن تأدية صلاتي . أخاف أن أعجز عن إسعاد أمي وأبي ومن أعرف. أخاف أن أعجز عن تربيه أبنائي، أخاف أن أعجز عن تحقيق وعد قطعته لنفسي أو لأحد أحببته مثل نفسي او أحبني هو مثل نفسه .
 وهانا الآن مستلقي على فراشي عاجز عن تحريك يدي لتمسح دموعي الدافئة، عاجز مثل ورقة تراكم عليها الغبار فسكنت عن الحركة .
 أنا ورقة .. ورقة عاجزة . وعندما تعجز الورقة عن الحراك تموت .
 عندما تعجز الورقة عن الإفصاح عند تشابك الحروف والكلمات التي بداخلها، تصبح غريبة وتهمل في رف بعيد منسي، يدفنها الغبار فتسكن عن الحركة .
أنا ورقة، ساكنة عن الحركة ، ستدفن بعد قليل .
  أين قبري؟
هل تعلمون ؟
أردد عندها» وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا * وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ * إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ». 
حركة صدري تسير من بطئ الى أبطأ، كما يبهت الحبر رويداً رويداً من على كلمات ورقة قديمة .
 ولكن حتى وأنا أموت لن أعجز عن مابرعت فيه في حياتي .
  سأوصيكم .
 وأملي كله أن ينبت لإحدى هذه الوصايا جناحان كبيران لتلتقط تلك الدموع المسرعة الساقطة وتعبر بها السراط .
( أنا مذنب كبير ) .
لا تضيعوا حق الله فيضيع حق الله فيكم ..فلا تجدوا حقاً يدافع عنكم .
 لا تكرهوا أحداً فيتعلم الناس منكم الكره فيكره بعضهم بعضاً.
لا تخالطوا الناس بأموالكم، ولكن خالطوهم بأخلاقكم فهي لا تفنى .
 تمنوا الخير للناس ليعم الخير .
 تعلموا السلام ورددوه وأنتم تبتسممون .
 صرحوا بحبكم لمن تحبون وبصوت عالٍ . فبئس قوم انخفضت أصواتهم عند الحب وارتفعت عند الكره .
 أسعدوا من حولكم تسعدوا .
 أعفوا عن من ظلمكم . أخرجوه من ظلمة الظلم الى بياض العفو .
 أبحثوا عن النقاء بداخلكم. فأجمل الورق هو الأبيض .
يشخص بصري الى أعلى وكأني أبحث عن شيء ما، أو انتظر أمراً . أترقب بحذر وخوف . يسكن صدري .
 آن الأوان .. وحانت اللحظة.. يا للعجب!! حتى الروح وهي تخرج لونها أبيض . هل كنتم تعلمون هذا ؟ واتذكروا .. نحن ماهينين