السبت، 21 تشرين1/أكتوير 2017

board

الإلحـــاد.. الانحراف الفكري

صلاح مختار
ثمة أمور تجري على الواقع الاجتماعي بالسودان، قد لا نلقي لها بالاً ونتركها كي تفعل بها الأيام حتى تصبح في يوم من الأيام واقعاً ليس مفاجئاً، ولكن مريراً. ولعل في هذا الإطار،

لفتت أمانة الشباب بالمؤتمر الوطني الى مياه تجري تحت الجسر، لواقع مرير حول الإلحاد والانحراف الفكري بالبلاد ، ومكمن أهمية الندوة وخطورتها أنها جاءت بعد أحداث تناولتها الصحف عن نمازج للإلحاد والانحراف الفكري لشباب، ولكن الصدمة الكبرى عندما يكشف تقرير أمريكي لعام 2012 بأن (2,6%) من جملة سكان السودان (ملحدين) ورغم ذلك قال التقرير إن تلك الأعداد لا يمكن اعتبارها ظاهرة، وإنما مؤشر لوجود خلل عقدي لدى الشباب قد يكون لأخطاء في تفسير قضايا دينية على مستوى تشددها او سطحيتها. وأشارت كثير من الأبحاث الى أن الإلحاد في السودان موجود وسط طلاب الجامعات والمجتمعات المثقفة من الطلبة.
وفي ذات السياق، أصدرت دار الإفتاء المصرية تقريراً عام 2014 حول عدد الملحدين بالوطن العربي، ذكر فيه أن عددهم يتجاوز (2293) ملحداً وأن عدد الملحدين في السودان يقارب (70) شخصاً. ورغم أن الوشة الفكرية المتخصصة حول الانحراف الفكري أبعدت أن يكون الانحراف الفكري والإلحاد في السودان ظاهرة، إلا أن كثير من المشاركين حذروا منها باعتبار أنها أصبحت تتغلل في المدارس والجامعات ورياض الأطفال، وأجمع المتحدثون على ضرورة تنقيح المناهج من فكر الإلحاد ولعل كثير منهم نوهوا الى طريقة تدريس منهج التربية الإسلامية بالجامعات وكأنها مادة هامشية وليس من أصول العلم، الأمر الذي يجعل الطلاب فريسة للمناهج الوضعية والإلحادية، ومن هناك تبدأ مراحل غرس فكر الإلحاد في الطلاب.
حديث محزن:
وتحدث من بين المشاركين بأسى وحزن على واقع الطلاب في المدارس والجامعات الذين لايجدون إجابات شافية على كثير من الأسئلة التي تدور حول العقيدة ولفتوا الى ما يدور في مواقع التواصل الاجتماعي من نقاشات فكرية حول الدين وأشار البعض الى وجود مواقع بالواتساب تركز على المقارنة الدينية وبالتركيز بالهجوم على الإسلام ورأوا أن تلك المواقع تساهم بشكل كبير في زعزعة العقيدة الدينية لكثير من الشباب الذين لايملكون ناصية الفكر، وحمل البعض رجال الفكر والدين مسؤولية التصدي للأفكار المناهضة ولكن بصورة حديثة، وطالبوا بنهج جديد في الدعوة. ويقر أمين الفكر بأمانة الشباب بابكر يحيى بأن هناك تشوهات فكرية تؤثر هنا وهناك ، لكنه قال إن السودان بخير ولا يمكن أن نطلق على الإلحاد الموجود بأنه ظاهرة. وقال لاتستحق ذلك وإنما هي ظواهر محددة بفعل عوامل وأطروحات نشأت لأسباب كثيرة، ورأى أن الندوة تناقش موضوعات هي مسلمات مثارة للجدل.
الانحراف الفكري.
ويقول الأستاذ محمد حسين في ورقته حول الإلحاد في السودان والوطن العربي الانحراف الفكري موجود في المجتمعات المسلمة. وقال إن الإلحاد يحمل أحد المعنيين إنكار وجود الخالق والقول بأزلية المادة وأنها خالقة ومخلوقة، او الأمر الثاني وهو من إضافات إفلاطون إثبات وجود الخالق او صانع ولكنها لاتعني بشيء من حياة الخلق فهي موجودة للخلق.
ويقول لم تعرف الأرض انتشاراً للإلحاد ونفوذاً قوياً إلا في العصور المتأخرة. ويرى من ظواهر وبوادر الإلحاد نشأت العديد من المدارس والمذاهب الفكرية والاجتماعية التي تصب في مصب الإلحاد وتستلهم منه مادتها وترسخ مبادئه ومنها العلمانية والوجودية والشيوعية والوضعية وعبر عن أسفه بأن الإلحاد حينما صبغ الحياة العامة في أوروبا أصبح أمر التدين والتمسك بدين او الإيمان بالخالق شيئاً غريباً وظاهرة تدعو الى العجب، واعتبر الإلحاد الجديد مصطلحاً معروفاً ومتداولاً في الدوائر الفكرية والفلسفية بدءاً بأحداث الـ(11) من سبتمبر 2001 وقال إن أعداد الملحدين لايمكن اعتبارها ظاهرة وإنما مؤشر فقط لوجود حالة من الخلل لدى قطاعات من الشباب نتيجة لأخطاء بعض الخطابات الدينية على مستوى سطحيتها او على مستوى تشددها.
ثورات الربيع:
ويرى عدد غير قليل من الباحثين والمتكلمين في قضية الإلحاد أن الثورات من الأسباب البارزة للإلحاد في الدول العربية. وذكرت الورقة أن الأستاذ عبد الشهري قال إن السبب الأول في الإلحاد هو وجود القابلية للإلحاد التي قد تكون نفسية او فكرية، ودور التأزم أن يحول هذه القابلية الى إلحاد فعلي. وتقول الورقة إن الشخص يمكن أن يكون لديه قابلية للإلحاد كتعبير عن التمرد على المجتمع، الى جانب أسباب شخصية منها الثقة الزائدة بالنفس والغرور المعرفي، الى جانب وجود الجفاف الروحي والسطحية الفكرية والاندفاع والعجلة وسطوة الشهوات ومحاولة الهروب من خز الضمير والاضرابات النفسية الى جانب وجود نظرية الوالد المشوه العجيب.
أسباب اجتماعية
وترى الورقة أن هناك أسباب اجتماعية وراء ظاهرة الإلحاد وهي الأسرة والمدرسة والجامعة والعمل والأصحاب، أضف الى ذلك الجمود الديني وضعف المناعة المجمعية. وترى الورقة أن بعض الأسر او المجتمعات تمارس نوعاً عجيباً من القهر على أبنائها تمعنهم من طرح الأسئلة او الاستشكال وتهددهم بأن مجرد طرحها يعني الكفر والمروق عن الدين او يقابلون الأسئلة بالسخرية وهناك اضهاد المرأة وهو من أهم أسباب إلحاد الفتيات. ويرى أن دعاة الإلحاد يستهدفون المرأة بدعوى التحرر من سلطة الآباء وقهر الذكور. ومن أهم أسباب الإلحاد انتشاراً في المجتمعات المتخلفة وتمزق الأمة وتفرقها.
رد فعل
وتعرض الورقة أهم أسباب انتشار الإلحاد في السودان وترى أن السودان ليس بمعزل عن الموجة الإلحادية التي تضرب العالم العربي وتأثر الشباب السوداني بحكم تفاعلهم مع الظاهرة العالمية وانفعالهم بما يتم بثه من شبهات وأفكار. وقال لا أحد ينكر وجود الإلحاد في وسط طلاب الجامعات ويرى أن رائحتمهم فاحت وأن أفكارهم انتشرت ويبدو أنهم غير مكترثين بردة فعل الشعبية تجتاحهم وأن أغلبهم يظهرون في العلن وأكثر المراقبون يرون أن أماكن انتشارهم في المجتمعات المثقفة والمقيمين من الدول الغربية وأن أهم أسباب انتشاره في الوسط السوداني الحروب والصرعات والتأثر بالموجة العالمية والاستهداف الغربي ووجود من يحمل الفكر من أساتذة الجامعات.
ليست ظاهرة
ويقول مدير مركز أبحاث الرعاية والتحصين الفكري بروفيسور إبراهيم نورين إن المركز لم يعمل بحثاً حتى يقول إن الإلحاد أصبح ظاهرة ، لكنه يرصد حالات الواقعة في الكتب والنشرات والمحاضرات والمنتديات وأركان النقاش. وقال إننا نرصد الآن مؤسسات تتبنى هذة الأفكار بطريقة فيها شيء من الحياء وبشيء من المكر والدهاء. وقال أحياناً تأتي بقالب معين كي تتبنى فكراً معيناً او تهدم فكراً معيناً الى جانب هناك مؤسسات وأفراد ومدارس ورياض أطفال تنشأ بمنهج لغرس فكر الإلحاد، أضف الى ذلك هناك مدارس وأساتذة جامعات يدرسون الفكر الإلحادي. وزاد إننا نرصد أساتذة في الجامعات فجأة يظهرون بنشاط غير مسبوق يدعو لأفكار وتكوين أجسام معينة وأن المسألة لها ارتباط بفكر الإلحاد.
حساسية القضية
ويرى الأستاذ الجامعي أسامة الأشقر أن القضية حساسة لجهة أن مستوى الفكر لا يجد عناية واهتمام على المستوى الدولة والأفراد، وهي من المجالات المظلومة. وقال الآن لا نجد مفكراً بارزاً لمراجعته، وأشار الى وجود إشكالية في تحديد المفاهيم ورأى أن المفهوم الفكري لم تحدد معالمه، و أن عدم الانضاط في القضايا الفكرية يدعو الى الانحراف، ودعا الى النظر في مربع القيم العليا ولابد أن يكون المفهوم محل إجماع. وقال المشكلة ليس لدينا تحصينات لوضع المدفع للهجوم لردع الهجمات ، وقال نتعامل مع تلك القضايا بصورة فردية. وقال ينبغي أن نكون مستعدين للوصول إليهم واختراقهم. ولفت الى وضعنا اليوم يزداد تأزماً من تلك الأمور نتيجة لتفسير كثير من المفاهيم المتعلقة بالإسلام ودعا الى تشخيص الوضع ومعرفة مكامن الخطر ورصد الأسئلة الحائرة ووضع الإيجابات التي لا تكفي لشخص واحد ، وإنما للجميع. وطالب بتعدد المنصات الفكرية للدخول في جدل مع الشباب وان لاندع للعاطفة فيها وأشار أن هناك كثير من الشباب غير ملحدين ولكن نتيجة لعدم وجود إجابة لكثير من الأسئلة يمكن أن يقعوا فيه. ودعا الى عدم وصف الذين يحملون أفكاراً ملحدة بالملحدين وطالب بالاهتمام بالرموز الفكرية من الشباب وتحصين ورعاية الشباب رعاية خاصة. وقال ليس بالضرورة وجود إجابات سريعة للأسئلة ولكن نفتح مجالات للإجابة.
غير منزعج
ويرى د. محمد المجذوب أنه غير منزعج لتلك الظواهر بأي حال لجهة أن الدين يأتي في وسط إما كافر وإما ملحد. واذا ظهر الإلحاد او الكفر ،استعاد فيهم الدين للوصول الى إجابات وهو سجال مفتوح. وقال هناك واقع جديد وتساؤلات في العالم ودعا الى بناء علم الإيمان في مقابل المادية والإلحاد، وقال تجديد علم الكلام القديم لم يكن ممكناً وأن سقف العلم الجديد ليس مواجهة الشبهات وإنما بناء علم الإيمان في مقابل المادية والإلحاد. ويرى أن سقف العلم الجديد ليس مواجهة الشبهات وإنما بناء الإيمان وإن المطلوب بلورة النور من العلوم لأن الإلحاد المعاصر ابتلاءاته كثيرة. ودعا د. الناجي مصطفى الى ضرورة إنتاج المعرفة واعتبر الخطوة سهلة لأن المعرفة إثبات الحق. والأمر الآخر عسير أن الحرب الموجهة ضد الإسلام إعلامية. وأشار الى انتشار منابر الملاحدة.
خلفيات تعليمية
قال د. المقداد إنه جلس مع عدد كثير من الطلاب قادمون من خلفيات تعليمية متعلقة بالجانب التجريبي في العلم ودعا في هذا الخصوص الى إصلاح التعليمي بصورة جذرية وقال هناك من يرى أن الدين بالجامعات كأنما فقط في السنة الأولى وأن بقية السنين ليس لها علاقة بالدين.
واعتبر فصل الدين عن التعليم من المساوئ الكبيرة. وقال إن أكثر أبناء القيادات الإسلامية سقطوا في مستنقع الإلحاد لعدم وجود القدوة الدينية، ورأى أن الإلحاد الجديد موجود وأن أغلبه مصوب تجاه الإسلام .
أما الباحث محمود محمد الحسن، فتساءل عن لماذا يلحدون عندما لايجدون الإجابة عن الأسئلة يلحدون ويرى أن هناك إلحاد ليس أسبابه دينية وإنما تمرد على المجتمع والوقوع في التناقضات والانحراف. وقال محتاجين الى إعادة النظر في الأداء الإعلامي وإعادة نظرية بث الروح الدينية في الحركة الإسلامية وليس هدفها التمكين.
الأخضر واليابس
وقال نائب رئيس هيئة علماء السودان عثمان مجذوب اذا كانت ظاهرة الإلحاد اجتاحت المجتمع لقضت على الأخضر واليابس.
وقال البيئة معافاة تماماً وإنما الإلحاد محصور ومحسوب. ووصفه بالظاهرة السلبية المحصورة ومحدودة ورأى أن هناك جوانب إيجابية في المجمتع ودعا الى إيجاد معالجات لتلك الظواهر والتركيز على الإصلاح وليس التخويف ولابد من النظر الى الإشكال وتقييمه.
ويرى المختص عبد القادر جمال ألماني الجنسية بأن هناك خلط للدين بالقوة المادية وهو بداية الانحراف ويقول المسلمون يقلدون الثقافة الغربية لأنها تطورها مادياً ويرى أن المشكلة في المسلمين، ودعا الى تنظيم المجتمع وأن الإلحاد لا يأتي مفاجأة ، واعتر الإلحاد أقوى أنواع المخالفات الفكرية ويدل على أن هناك خلل لابد من تربية دينية.
البناء الفكري عاصم من الإلحاد
ويرى المفكر الإسلامي محمد علي الجزولي أن البناء الفكري للأبناء عاصم من الإلحاد، ودعا الى طرح جديد مشترك للتوحيد، وقال محتاجين الى طرح للعقيدة بما يخاطب تحدياتها وضرورة إعادة مادة الثقافة الاسلامية بالجامعات ومنهج التربية بالمدارس، وطالب بالتخلص من الاستعلاء وقال كأنما هو ديانة في المدارس ودعا الى وحدة الرأي بين المذاهب بالدولة وقال اذا أردنا أن نواجه الإلحاد بالمنطق القديم فأنت في خبر كان محتاجين الى منطق وإيمان جديد.
الرد على الشبهات
ودعا طارق بابكر عبد السلام الى مواجهة الإلحاد وما يطرح من قضايا فكرية، ولفت الى ما يطرح في مواقع التواصل الاجتماعي من قضايا خاصة بالفكر والعقيدة ورأى أن بعض الدعاة غير جاذبين في الخطب وشدد على أهمية تزويد الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي بما يستطيعوا الرد على الشبهات وتساؤلات ودعا الى تجديد الخطاب الديني وآليات الدعوة. وقال التجديد مطلوب في طريقة إدارتنا للندوات والورش وحث المفكرين والعلماء للنزول الى الواقع.