السبت، 16 كانون1/ديسمبر 2017

board

الخرطوم .. خيارات المفاضلة بين واشنطون وموسكو

ندى محمد احمد
لا تزال أصداء زيارة رئيس الجمهورية لروسيا , تردد على فضاءات الوسائط الإعلامية محلياً ودولياً، فالزيارة التي تعد الأولى من نوعها للرئيس عمر حسن أحمد البشير, اتسمت بتقاطعات شتى على المستويين الإقليمي والدولي،

في العديد من القضايا المتعلقة بالعلاقات مع إيران، وموقف الخليج منها، عطفاً على الأوضاع الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، بالرغم من رفع العقوبات الاقتصادية عنها، فضلاً عن بزوغ فجر تحالفات جديدة على خلفية الحرب في سوريا، وتمترس الولايات المتحدة في خانة الإملاءات في علاقتها مع السودان ودفعها لاشتراطات صعبة، مما دفع الرئيس للالتفات شرقاً سعياً نحو منافذ جديدة لعل وعسى يظفر ببارقة أمل هناك.
مع إيران
استبق الرئيس سفره إلى روسيا, بتصريحات أدلى بها لقناة (روسيا اليوم) وفيها أنه لا يؤيد الحرب على إيران . بقوله لا توجد حكمة من مواجهة عربية إيرانية وأن أية مواجهة عسكرية إيرانية عربية هي خسارة للمنطقة كلها، في الوقت الذي ارتفعت وتيرة الهجوم والهجوم الإعلامي المضاد بين المملكة العربية السعودية وإيران، على خلفية الصاروخ الذي أطلقه الحوثيون المدعومون من إيران على المملكة وبلغ مطار خالد بن عبد العزيز بالعاصمة الرياض، وعلى إثر ذلك كانت استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الموالي للمملكة التي أعلنها من الرياض في مواجهة شريكه بالحكم حزب الله الموالي لإيران, وما تبعها من ظلال وأحداث سياسية. ومعلوم أن السودان ينخرط بقواته العسكرية على الأرض في الحرب التي تقودها الرياض في اليمن منذ 2015م لمواجهة الحوثيين باسم تحالف إعادة الشرعية في اليمن.
حليف بديل
ومن سوشي الروسية, التي التقى فيها البشير بنظيره فلاديمير بوتين , كانت تصريحاته التي تلقفتها وسائط الإعلام الدولية المختلفة, وعلى رأسها دعوته لموسكو لإقامة قواعد عسكرية على البحر الأحمر الذي يعد منفذاً للسودان نحو العالم, وثغرة ايضاً للنفاذ منها إليه، كما وجه انتقادات قوية لواشنطون, منها أنها من تسبب في فصل جنوب السودان يوليو2011م، وأنها تسعى لتقسيم السودان إلى خمس دويلات أخرى، وأنها تسببت في دمار العراق وسوريا، وأعلن عن تأييده أن أية تسوية في سوريا يجب أن تستصحب بقاء الرئيس السوري بشار الأسد.
نفي إثبات
ومن أولى المؤشرات التي راجت على خلفية تصريحات البشير من روسيا وصفها بأنها مقدمة لانسلاخ السودان من حرب اليمن وسحب قواته من هناك، ومن ثم مغادرة منظومة التحالف الخليجي بقيادة السعودية والإمارات العربية المتحدة تحت مظلة أمريكا. إلى الحلف الروسي الإيراني التركي، الشيء الذي دفع وزير الخارجية إبراهيم غندور لنفي تلك التفسيرات, والتأكيد على بقاء القوات السودانية في اليمن، وقد صدرت تصريحات عسكرية مماثلة.
ضغوط أمريكية
يذكر أنه وقبل زيارة البشير لروسيا, والتي كانت في الثاني والعشرين من الشهر الماضي, واستغرقت أربعة أيام , سجل نائب وزير الخارجية الأمريكي جون سوليفان زيارة للخرطوم في السادس عشر من الشهر نفسه، ودعا الخرطوم لتعديل عدد من القوانين في قضايا تمس الجانب الديني، ومنها تعديل النصوص المتعلقة بالردة والإساءة للأديان والميراث، بجانب قانون النظام العام. وكان ملاحظ أن الخرطوم لم تقدم أي تصريح أو تعليق على تلك المطالب، وقد ذهبت بعض التقارير والأخبار الصحفية إلى ان ثمة مطالب أخرى أدرجها جون, ومنها عدم ترشيح الرئيس لانتخابات 2020م، في الوقت الذي تشير فيه الكثير من الدلائل إلى أن الرئيس في طريقه للترشح للرئاسة في2020م, وأن ثمة خطوة في الأفق لتعديل الدستور ليسمح له بذلك، علاوة على ذلك, وجه جون اتهامات للخرطوم بأن تعاملها مع إيران لم يتوقف بموجب قطع العلاقات معها , بل انتقل من العلن ليستمر في الخفاء.
إصلاحات سياسية
يرى عضو المكتب السياسي بحزب الإصلاح الآن أسامة توفيق, أن العلاقات مع واشنطون، توطدت منذ عامين, وهناك لجان تعمل بين الطرفين، ومن ثمارها رفع العقوبات في أكتوبر الفائت، كما بدأ التفاوض حول رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. ويضيف توفيق في حديثه لـ(الإنتباهة) أن هذه التطورات تستلتزم من الخرطوم إصلاح داخلي في منظومة الحكم، ليتم رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، فالسودان أدرج في هذه القائمة وفق قانون سلام دارفور 2006م الذي أجازه الكونغرس، وتعديل هذا القانون أو رفعه يتطلب حدوث سلام شامل وكامل في دارفور، كما لابد للخرطوم من إجراء إصلاحات سياسية لتتمكن واشنطون من التعامل معها على نحو أوسع، لأن الأخيرة تقع تحت ضغط العديد من اللوبيات الأمريكية، ولا بد أن يتم في ظل الإصلاح الداخلي ليرفع اسم البلاد من قائمة الإرهاب، ولتنفتح أبواب العالم أمام السودان، ليتمكن من التعامل مع المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والسوق الأوربية المشتركة- أي الاتحاد الأوربي.
عرض مضاد
ويشير أسامة إلى أن علاقتنا مع روسيا في الأساس جيدة، ويمكن أن تمدنا بالسلاح وتكنلوجيا النفط والمعادن, ولكنها لا مال لديها تقدمه للسودان، وعرض الرئيس على موسكو إقامة قواعد عسكرية على البحر الأحمر قابله عرض مصري لموسكو باستخدام القواعد المصرية، وأكد أن موسكو سترجح كفة العرض المصري باعتبار موقع الأخيرة أكثر إستراتيجية لها من السودان، كما العرض المصري يعفي موسكو من تكلفة إنشاء قواعد جديدة كما في العرض السوداني، فتكلفة إنشاء القواعد العسكرية أمر مكلف للغاية، خاصة في ظل العقوبات الاقتصادية التي يفرضها الاتحاد الأوربي على روسيا .
محاصصة
بجانب ذلك, ينوه توفيق بأن العالم الآن عبارة عن مناطق نفوذ موزعة بين الدول الكبرى على غرار اتفاقية (سايكس بيكو) التي قسمت الدول المستعمرة بين المملكة المتحدة وفرنسا في القرن الماضي، لذا لا يمكن لروسيا ان تقيم قواعد لها بجوار المملكة العربية السعودية باعتبار أن الأخيرة والخليج عموماً, من مناطق نفوذ واشنطون، ودلل على ذك بقوله إن الاتحاد الأوربي واجه روسيا وفرض عليها العقوبات في قضية أوكرانيا لأنها تجاوزت مناطق نفوذها, مضيفا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب, هدد كوريا الشمالية بالضرب أكثر من مرة في حال استمرارها بإطلاق الصواريخ الباليستية, ولكن لم يفعل شيئاً لأن بيونغ يانغ من مناطق النفوذ الروسي، وخلص إلى وصف طلب القواعد الروسية بالفطير وأنه يدل على عدم دراسة مجريات السياسة الدولية . وخلص توفيق إلى أن زيارة موسكو ستؤثر سلباً على علاقة الخرطوم مع واشنطون.
سيطرة اقتصادية
وفيما يلي موقع علاقة السودان مع الصين في الزحام الأمريكي الروسي, لخص توفيق اهتمامات الصين, بقوله (الصين قضيتها السوق) ، بمعنى أن علاقتها معنا علاقة اقتصادية بحتة، ولا صلة لها بأي محاور سياسية، منوهًا بان أكبر احتياطي نقدى للصين موجود بأمريكا، لذا فإن الصين خارج اللعبة السياسية، فهي تريد السيطرة على العالم إقتصاديا لذا فهي موجودة في إفريقيا من هذا المنطلق وبقوة، أما السيطرة العسكرية والسياسية فهذه اختصاص روسيا وأمريكا، ونوه إلى الشبهات التي تحيط بترمب بأنه دخل البيت الأبيض بمساعدة روسيا, لذا فإن هرولة السودان صوب روسيا فراراً من أمريكا أشبه بمن (يشتكي زوجته لأخوها).
الضغط على واشنطن
ترى, أين ينتهي المطاف بالخرطوم؟ هل تغادر محطة واشنطون صوب موسكو حقاً؟ أم أنها تظاهرت بالتوجه شرقًا لبعث العديد من الرسائل عربياً وأمريكياً، على سبيل الضغط على واشنطون لترفع من ضغوطها على الخرطوم وتسرع من وتيرة عملية رفع اسمها من قائمة الإرهاب؟