السبت، 16 كانون1/ديسمبر 2017

board

الأدب النسوي وتأثيره في المجتمع (1 ــ 2)

رصد: رحاب محمد عثمان
اقامت دائرة الفكر والثقافة بأمانة المرأة بالمؤتمر الوطني الصالون الفكري الأول في استهلال نشاطها الثقافي بعنوان (الأدب النسوي وتأثيره في المحتمع)، برعاية الأستاذة زينب أحمد الطيب أمينة شؤون المرأة،

وذلك أمسية الخميس التاسع من نوفمبر بقاعة المجلس للقومي لرعاية الثقافة، بحضور عدد من النقاد والصحافيين والمهتمين. واستضاف الصالون الفكري الناقد عز الدين ميرغني والروائية زينب بليل والصحافية والكاتبة أميمة عبد الله . وأدارت الصالون الكاتبة أمينة الفضل. ودارت محاور النقاش حول ماهية الأدب النسوي والنقد النسوي ومدارسه الغربية وأبرز خصائصه وسماته، وطرحت تساؤلات : لماذا لا يجد أدب المرأة حظه في الذيوع والانتشار ويقابل بالرفض والتهميش؟ وهل الادب النسوي متمحور حول قضاياه؟ وحاول الصالون الفكري إيجاد إجابات لهذه المحاور عبر ما قدم من أوراق. (الإنتباهة) كانت هناك ورصدت جانباً مما دار في المنتدى.
الأدب النسوي ليس نقصاً
أكد الناقد عز الدين ميرغني أن مصطلح الأدب النسوي الذي يوحي للبعض بالنقص، منبعه المرأة نفسها، وذلك في سياق ما يسمى بالنسوية، وهي حركة تحرر شاملة ظهرت في أوربا في ستينيات القرن الماضي ناضلت من أجلها المرأة الغربية للحصول على حقوقها السياسية والاجتماعية، وظهرت الدعوة للأدب النسوي في أوربا كأدب مميز ومختلف عما يكتبه الرجل، ورفعت هذه المدرسة شعار(نحن منفصلون ولكننا متساوون) ، وكان لها مناصروها ومؤيدها، وكان أبرز مناصر للأدب النسوي في العالم العربي الكاتب السعودي عبد الله الغذامي عبر كتابه (المرأة واللغة)، واشتهرت مدرسة النقد النسوي في عالم الأدب بالاهتمام بالطبيعة النسوية داخل النص الأدبي، ومن مبادئها ألا تقلد المرأة الكاتبة الرجل في أسلوبه، وأوضح أنه لا توجد فروقات بين الكتابة النسوية وكتابة الرجل من حيث التصنيف، وتحدث عز الدين بإسهاب عن المدارس الغربية في النقد النسوي في أمريكا وفرنسا التي قامت أساسا لنقد كثير من الأشياء، وكان أهم ما نادت به هذه المدارس هو ضرورة اختلاف طبيعة المرأة عن الرجل واختلاف لغتها عن لغة الرجل، وأهمية وجود تجربة نسائية خاصة، وتحليل دور المرأة كبطلة في النصوص، ولا تخلو رواية من امرأة في النقد النسوي، وأهم مبادئ هذه المدارس إفساد الحكم الأبوي والهيمنة الذكورية أيضاً داخل الأدب: لماذا لا تكتب المرأة عن الرجل؟ ، لماذا لا تكتب المرأة عن نصوص المرأة؟
خصائص النقد النسوي
وقال عز الدين في ندوة الأدب النسوي وتأثيره في المجتمع التي نظمتها أمانة المرأة بالمؤتمر الوطني بالمجلس القومي لرعاية الثقافة، إن النقد النسوي الفرنسي يهتم بالتحليل النفسي للنصوص، ويرتكز إسقاط حالة المرأة الكاتبة على النص، ولا تقوم المدرسة على تزكية للمجتمع الأبوي بل هو تحليل له، وركزت الناقدات الفرنسيات على موضوع الكبت، وهاجمن الأنظمة والقيم بقوة باعتبارها تتمركز حول الرجل. وتلتقي المدرسة الفرنسية مع المدرسة النقدية الأميركية في الإسقاط الكتابي لدى الكاتبة التي تنتقم من الرجل إما بإماتته أو جعله عاجزاً او سلبياً في نصوصها، بينما تقوم المدرسة النقدية الأميركية على المسألة الاجتماعية، وتتمحور حول الكشف عن المنطلقات الأبوية وأفكارها المسبقة، وإعادة تقييم الأدب الذي كتبته النساء إلى جانب فحص السياقات الاجتماعية والثقافية للأدب، وكان لهذه المدرسة مناصروها من الرجال، ويرى بعضهم أن أول كتاب تناول الأدب النسوي هو (الجنس الثاني) لسيمون دي بوفوار، وتذهب إلى أن المرأة الكاتبة لا تقل عن الرجل في الأحاسيس والذكاء، الحساسية، التعبير الجيد، بل تتفوق على الرجل. ومضي عز الدين ميرغني في بيان خصائص وسمات الأدب النسوي الى هناك أماكن في داخل المرأة لا يستطيع الرجل ولوجها، ومضامين كثيرة يعجز عن كتابتها الرجل، مثل : التداعي الممتاز، تقنية الإيواء، عاطفة الأمومة، عاطفة الفقر، أحاسيس الوحدة واليأس، لحظات الولادة، الأشواق الجسدية، الكاتبة كذلك بارعة في الوصف، والولوج إلى أدق التفاصيل، وقد كتبت روائية فرنسية وصفاً للباب في صفحة ونصف.
وعن خصائص الكتابة عند الرجل يقول عز الدين: هناك مضامين يبدع فيها الرجل أكثر من المرأة، مثل وصف المعارك والحروب، وما يحدث في سجون التعذيب والمعتقلات كرواية (الحرب والسلام ) لتولستوي، وروايات آرنست هيمنجواي، والمرأة تكتب عن ضحايا الحروب وآثارها النفسية والاجتماعية، ولم تكن السودانية ملكة الفاضل بدعاً حين تناولت ما حدث من تعذيب لأحد المعتقلين في سجون نميري في روايتها (الجدران القاسية)، لكنها كتابة حذرة .. كذلك من ميزات الكتابة عند الرجل اشتهاء الأنثى، لحظات الوصال، اللقاء، الكتابة السادية، وهناك مواضيع عادية تكتب عنها المرأة، ويكتب عنها الرجل ويبدعان فيها.
أغاني البنات أدب نسائي خالص
ويتساءل عز الدين قائلاً: هل هناك أدب نسائي سوداني؟ ويجيب عن السؤال مستعرضاً بعض النماذج السودانية: المرأة السودانية كغيرها تحب أن يكتبها الرجل، تحب أن ترى نفسها في ما يكتبه الرجل (مكتوبة)، وكانت المرأة ممنوعة من أن تكتب أشعارها، محجوراً عليها التعبير عن مشاعرها، لذلك كانت تكتب بضمير الرجل، حتى جاء عقد التسعينيات، فظهرت الشاعرات: سمرقندية وحكمت محمد يس وكتبن الشعر الغنائي، وانفتح الباب بعدهن للخطاب الأنثوي فجاءت روضة الحاج وسعادة عبد الرحمن، وأصبحت الشاعرة تعبر عن حبها ومشاعرها. وكان الشعر النسائي في السابق يقوم على تمجيد الرجل الفارس والرثاء في حال موته: مقنع الكاشفات، مدرج العاطلات وعشاء البايتات. واعتبر عز الدين أغاني البنات أدباً نسائياً كامل الدسم، يمتاز بلغة خاصة فيها الصدق العاطفي والتشبيهات والمفردة الرقيقة، وإن كانت الشاعرة مجهولة حتى يمنحها ذلك حرية التعبير.. وعن سمات الأدب النسائي السوداني أكد عز الدين أن الأديبة السودانية تمتاز بلغة خاصة ولها كلمات وعبارات لا تستخدمها إلا المرأة : يا حليلي، ووب علي، سجمي، اتبشتنت في حبك وغيرها، فإذا قالتها امرأة كانت في قمة الأنوثة، وإذا قالها رجل كان في قمة الخنوثة!! وخلص عز الدين في خاتمة حديثه الى أنه لا يوجد شكل روائي نسائي أو أوزان نسائية خاصة، فالأشكال الأدبية واحدة، ولكن يأتي الاختلاف في المضمون، وخير من يكتب عن المرأة ويدافع عنها هي المرأة، والمرأة كانت مكتوبة طوال عمرها، وآن لها أن تكتب نفسها، فكان الرجل يكتبها بالوكالة، والآن تكتب نفسها بالأصالة، وأي رجل كتب عن المرأة فهي كتابة مزورة، وهذا ما وصلت إليه المدارس النقدية النسائية في أوربا وأميركا.