الأربعاء، 17 كانون2/يناير 2018

board

طب الأسرة على طاولة التخصصات

د. وليد شريف عبد القادر
< مدخل:
(قصة ما بتفيد إلا نفسك)
> أخذت حاجة مستورة تسأل حفيدها دكتور حسن اختصاصي الباطنية والقلب المشهور الذي تحتاج عند مقابلته إلى سياسة ضبط الصبر،

فأقرب فرصة للقائه لا تكاد تدنو من عدة أشهر.. دكتور حسن كان يتوجس من لقاء جدته فهي تتميز بكثرة الأسئلة مع التعليقات اللاذعة التي تطلقها في شكل أحكام نافذة تتناقلها مجالس القال والقيل .. وقلت لي شنو يا ولدي.. أتاه صوتها القوي الذي لم تؤثر في نبراته أعوامها التي تعدت التسعين.. ابتسم حسن وهو يقول في سره حتى السنوات يا حبوبتي خافت منك.. يا ولدي أنا الليلة يكون عندي شنو لأني حاسة بي وجع شديد في المخروقة وعندي كاروشة في الجسم بحكها لمن تطلع دم، وبرضو عيوني دي ما بتتحمل الضو.. وأخذت تدندن بأغنية النصري الشهيرة العوينات يا جناي شوفن ضنين.. وأجابها حسن وهو يحاول أن يكسب حروفه صوت إقناع وهدوء :يا حبوبه يا حبوبه أنا تخصصي دقيق .. تخصصي دقيق.. أنت عاوزة تخصصات غير تخصصي أنا بتاع باطنية وقلب.. الكلام لم يقنع حاجة مستورة فها هي تتأبط في صبيحة اليوم التالي عصاها مع مجموعة من أفراد عائلتها وتدلف للمركز الصحي الموجود جوار المنزل الآهل بالمرضى، ويستقبلها دكتور هشام طبيب الأسرة بابتسامة خلاقة وهو يقف مرحباً بها في حرارة وود ملحوظ، ثم يكشف عنها طبياً بتؤدة ويحاول تبسيط المعلومة لها، ويشركها معه في العلاج حتى يأخذ وبذكاء خبير وعداً كبيراً بالانتظام في العلاج ومراعاة مواقيته، وبعده يحولها بطيب خاطر إلى اختصاصي العظام للكشف عن ألم المخروقة المتردد عليها بين حين وآخر، ومن ثَمَّ أخذ بحماس يخط في الروشتة التي أمامه بعض العلاجات والمراهم والقطرات (للكاروشة) التي شكت منها وللعيون التي تضاءلت رؤيتها، وكل ذلك مع وعد شفيف بالمقابلة القريبة لمتابعة الحالة والتمنيات القلبية الكثيفة بالشفاء العاجل لها.. وهنا انتشت حاجة مستورة وهشت بشاشة لهذا الاهتمام المتعاظم، وقبل خروجها سألت بإلحاح شديد دكتور هشام: أنت يا ولدي تخصصك شنو؟ وأجابها دكتور هشام بمودة: أنا يا أمي طبيب أسرة.. وهنا قالت له حاجة مستورة في جدية شديدة وهي تحاول ان تقدم له نصيحة مشفق: يا ولدي أوعك تعمل تخصص دقيق.. لو عملت تخصص دقيق والله ما بتفيد إلا نفسك.
> حقيقة وبحق.. إذا تكلم حرف ونطق.. وقال إن طب الأسرة على طاولة التخصصات إذا أطل وأشرق وبزغ.. فهذا يجب أن يدعو التخصصات للتفاؤل لا القلق.. هي كلمات ابتدرتها عزيزي القارئ عند المشاركة في تكريم أطباء الأسرة بروف مأمون حميدة وزير الصحة بولاية الخرطوم، وزرعه المثمر الذي أينع خيراً وفيراً لأطباء الأسرة ــ أي تلميذته النجيبة دكتورة سحر فيصل محمد مكاوي.. واليوم بجلاء كان يوماً تجوَّل بنظره فيه الوفاء فوجد أن أطباء الأسرة هم معاول بناء لمن أجزل لهم العطاء.
> الدكتور المصري الشهير محمد عبد المعطي يحكي عن طب الأسرة قائلاً: كانت لي تجربة شخصية مع (انجلترا) أثناء تحضيري الزمالة، وكان من حظي التعرف على النظام الصحي وتجربتهم في تطبيق طبيب الأسرة، حيث أدى تطبيق نظام طبيب الأسرة إلى انخفاض عدد المرضى وتقليل الحاجة لأسرَّة المستشفيات، مما أدى إلى أن قامت وزارة الصحة الإنجليزية في معظم المناطق بتخفيض 50% من الأسرَّة، وأعيد استخدام المبالغ المالية لتطوير الرعاية الصحية الأولية.. لذا نحن نقول عزيزنا القارئ إن تخصص طب الأسرة هو التخصص الوحيد الذي يفيد اقتصاديات البلاد من منهجه لا عبر كثرة مرضاه ومتلقي خدماته، وإذا كان الفكر هو الذي نقل الكائن البشري من مرحلة (الحيوانية) إلى مرحلة (الإنسانية) فإن طب الأسرة هو الذي نقل التخصصات الطبية من مرحلة الاهتمام بحالة المريض إلى الاهتمام بمجتمع المريض، وهو الأوسع ثوباً، لذا إذا أنت عالجت مريضاً فأنت اختصاصي..أما إذا عالجت مجتمعاً فيقناً أنت طبيب أسرة.
> وفي الختام حتى الملتقى أعزائي القراء أسأل الله لكم اليقين الكامل بالجمال حتى يقيكم شر الابتذال في الأشياء.