الأربعاء، 17 كانون2/يناير 2018

board

الروائي جمال الدين علي الحاج لـ(نجوع ):

حاورته / تيسير حسين النور..
حكى عن بداياته قائلا إن الفعل الكتابي مغامرة ,وان أول قصة كتبها في نهاية الثمانينات من القرن الماضي أعطاها لأستاذه الذي قام بنشرها في جريدة السياسي وكان عنوان القصة (الأميرة المختطفة )؛ وبعدها أحس أن بداخله مارداً يريد أن يخرج..

وقال لي : أنا (تربال) خرجت من هذا الطين ,وواحد من غمار الناس,أعشق رائحة الطين والجروف, وأحن لي دودير القماري والسباحة في النيل. .
وقال: أنا ابن الطبقة العاملة وهي تصاهرت وتضافرت في الأحياء التي كانت في السابق طرفية من مختلف بقاع السودان؛ لذا أنا عجينة شكلتها أصابع مجتمع القرية ومجتمع سودان الخدمة المدنية يوم كانت, فمن الطبيعي أن أحمل جينات كل ذلك الأرث الضخم وأفخر لذا غالبية كتاباتي تعبر عن أولئك البسطاء في سحناتهم الأغنياء بشمائلهم. فازت رواياته فلين ورواية الباترا مخاوي الطير بجائزة الطيب صالح التقديرية للإبداع الروائي في دورتها الأخيرة وللمرة الثانية على التوالي..
تخصص فى الطب البيطري وتعاطي الكتابة التي لم تنفصل عن الوطن هما وعشقاً ..
تواصلنا معه أسفيريا من مقر إقامته بالمملكة العربية السعودية وكان كريما تلقي تساؤلاتنا و في إفاداته ..
= رحلة بدأت مبكراً مع الكتابة .. هل تعتقد أن إنتاجك فيها كان نوعياً أكثر منه كمياً ؟
أظن أن الإبداع والفن عموما لا يخضع للمقايسة المعروفة. بل بالتأثير والعمق والقدرة على النفاذ والبقاء. شيخنا الطيب صالح مثلا لم تتعد رواياته أصابع اليد الواحدة وغيره كثر بالعالم ، ولكن لننظر للقيمة الفنية لأعماله. وأيضا هناك كتاب لهم إنتاج غزيز ؛ وقطعا لن يكون كله بذات الجودة والقيمة الفنية. ربما يكون الانسان مقلا مقارنة بالشعاع الذي انبثق مبكرا, ولكن ثمة أسبابا كثيرة تجعل هذا الشعاع يتكسر; إلا أن يجد له كوة ويطل منها, التجويد مطلوب والحضور كذلك ولو اجتمع الاثنان فهو يوم المنى. أنا كتبت القصة بالثانوي حيث نشرت لي أول قصة قصيرة في تلك السن الباكرة, ثم رواية بدأتها وأنا طالب بالجامعة في التسعينيات ولم تطبع حتى الآن, رواية جنوكورو أول اصدار لي كتبتها في العام 2011 م وطبعت في 2014 م والطبعة الثانية 2016م . ورواية فلين الفائزة بجائزة الابداع الروائي كتبت في العام 2015 م وطبعت في 2017م ؛ ويظهر هنا دور المسابقات الأدبية وتأثيرها في لفت نظر القارئ ودور النشر على السواء. اذن هناك عوامل كثيرة تؤثر في المسألة برمتها؛ من أهمها السعي وراء سبل كسب العيش وعدم التفرغ بالكامل للكتابة كما أن مسألة الطباعة والنشر ليس للكاتب يد فيهما ,وهي مشكلات كبيرة تجعل أعمالا نوعية وذات جودة عالية لكثير من المبدعين حبيسة الأدراج تنتظر أن تخضّب أوراقها بحبر المطبعة .
= الغربة هل هي عنصر إيجابي للإبداع؟
- الإبداع عموما ليس له وطن هو كائن يعيش بداخل الانسان يحمله معه اينما حل. الغربة بمفهوم الابتعاد والارتحال بعيدا عن كنف الأسرة الصغيرة والحي والأصدقاء والوطن ككل; قطعا لها تأثير على النفس ويختلف هذا التأثير تبعا لارتباط الانسان بالأرض والجذور. نحن خارجه وهو داخلنا تلك القطعة من الأرض المرمية تحت الشمس- السودان- في حالة الإنسان المبدع قد يكون التأثير روحيا اكثر منه معنويا; لذا قد تتمظهر هذه التيارات في منتوجه وهمومه التي يبثها الورق يظهر ذلك جليا لدى الشعراء والموسيقيين أكثر منه عند الكاتب. لأن الأخير أينما نصب خيمة خياله ودق أوتادها يستطيع أن يبني حياة متخيلة في فضائه الزماني والمكاني الجديد. ويبقى في النفس شيء من حتى..
= الكاتب السوداني الذي يعيش في الغربة؛ هل هو أوفر حظاً من الذي يعيش داخل الوطن؟!
- أنا لا أقول أكثر حظاً انما أكثر انفتاحاً على الآخر. بحكم أنه سوف يقابل جنسيات عديدة ويتعرف على عادات الشعوب أيضا قد يكون مواكباً ولو أنه هذه الميزة انتفت مع تقارب العالم والتحامه بفضل الوسائط الحديثة. المسألة تعتمد فقط على الإبداع وليس سواه. وعلى قول المثل ( العود الفيهو طيب بينشم).
= الكتابة في الغربة هل كانت جسر تواصل وحنين إلى الوطن ..أم جو الغربة أكثر ملائمة للإنتاج والإبداع؟
-الحنين لدى الكائن الحي للأوطان لن يتوقف. الناقة تحن لتخومها. وكذا الطير والإنسان قطعا أكثرها حنينا للطينة التي خلق منها ولأن الله سبحانه وتعالى حباه بنعمة الكلام لذا فهو يعبر. بالشعر والموسيقى والغناء والكتابة. الغربة كما سبق وذكرت تأثيرها على الكاتب يكون من هذا الجانب بيد أن هناك غربة أخرى وهي أشد وطأة وأقسى على المرء من الغربة المكانية وهي الغربة الروحية. حينما يكون الإنسان غريبا في وطنه فذاك العذاب المقيم ولن تستطيع كل لغات الدنيا ولو اجتمعت التعبير عنه.
= أيهما أقرب إلى قلبك كتابة القصة القصيرة أم الرواية؟
-لكل غوايته وأدواته وأشراطه وطرقه؛ بالحدث هو الذي يتحكم. وحين يأتي الدفق أنت لا تملك معه إلا أن تكتب وساعتها لا يهم أن يكون المولود قصة. أو رواية. أنا تناولت الضربين وأجد نفسي في كليهما هدفي من ذلك بث الوعي وايماني الكبير أن بصدر هذا الشعب العظيم قصص وحكايات يجب أن تروى للعالم.
= هل من الضرورة للكاتب أن يتأثر بآخرين ؟هل الإبداع لا يكون يتيماً فريداً ... ولابد أن يكون متناسلاً أو متوالداً من إبداع سبقه؟
- بالطبع الإنسان يتأثر بمن حوله وبمن سبقوه في المجال. الطفل حين يبدأ تعلم الكلام يتأتئ الكلمات من الكبار ثم ما يلبث أن يتعلم الكلام وحين يبلغ الحلم تكون له نبرة صوته المميزة. كذلك المبدع بأي مجال لابد له من أسلاف حتى لا يكون نبتاً معزولاً ولكن حالما شب عن الطوق يجب أن يكون له أسلوبه الخاص.
= المحلية في رواياتك ؛ هي حنين الوطن بداخلك أم تشرب مبكر وارتباط قوى لا تستطيع الفكاك منه..؟
- أنا نشأت وترعرعت فى شمبات تلك المدينة القرية الوادعة ,وبالتأكيد شكلّت في وجداني الكثير. قباب الشيوخ والطرق الصوفية وحركة الفن والأدب والرياضة لاسيما أن جذوري تعود الى قرية ود حامد جنوب المتمة في ولاية نهر النيل و تشربي من تلك البيئة الغنية في تلك السن الصغيرة وحتى الآن. كل ذلك شكل وجداني وشخصيتي. أضف الى ذلك أنا ابن الطبقة العاملة وهي تصاهرت وتضافرت في الأحياء التي كانت في السابق طرفية من مختلف بقاع السودان. لذا أنا عجينة شكلتها أصابع مجتمع القرية ومجتمع سودان الخدمة المدنية يوم كانت. فمن الطبيعي أن أحمل جينات كل ذلك الإرث الضخم وأفخر لذا غالبية كتاباتي تعبر عن أولئك البسطاء في سحناتهم الأغنياء بشمائلهم.
= الجوائز للكاتب دافع ومحفز وتحدٍ ..أم فقط شكر وتقدير لما كتبت ؟
-الجوائز تقدم المبدع للجمهور ولو أن المنتوج الإبداعي هو المنوط به هذا الدور . ولكن مع الزخم الكبير يكون للجائزة هذا الدور ولو أنها لا تعني أن العمل قد بلغ شأوا فكم من أعمال عظيمة لم تتقدم للجائزة وهذا لا يعني أنها بائسة. تلك تخضع للجان وهي خاضعة بالاضافة للشروط للذائقة أيضا. وبالأخير الأمر كله متروك لذائقة القارئ المتلقي الأخير والمهم في المسألة برمتها.
= الروائي السوداني هل تختلف أدواته ومحاذيره عن الروائي العربي والعالمي ؟
-لا محاذير في الخيال كما لا يوجد سقف أو أطر إنما هناك ضمير الكاتب وهو الذي يتحكم، فالإبداع والخيال لا يخضعان للقوانين الوضعية هما خاضعان للضمير الانساني عند الكاتب والمتلقي. بالطبع هناك عرف وتقاليد ألا يتعرض الكاتب لعرق أو دين أو لون أو اي معتقد يعتقده ميم من البشر.
= وكيف تجد القاصة السودانية؟.
- أجدها الأم التي أرضعت -المبدع السوداني -الابداع منذ الصغر سواء كان ذكرا أو انثى. الأم وهي تهدهد طفلها بتلك الأهازيج الحنينة والجدة وهي تحكي قصصها لأحفادها بصوتها الحاني لا تفرق تلك الأم ولا الجدة بين الأطفال فينشأون وكل ذلك الإرث في مكنونهم الداخلي. حين يتشكل الإبداع ويخرج لا يفرق بين رجل وامرأة هو كله ابداع فقط التمييز في كتابة الاسم.
وتبرز في الذاكرة ملكة الدار أول قاصة سودانية, آمنة محمد, سعاد عبد التام, ومن جيل الوسط؛ بخيتة أمين. زينب بليل ,بثينة خضر مكي, فاطمة السنوسي, سلمى الشيخ وغيرهن الكثير من جيلنا الحالي تساوت الكتوف. تبرز الرائعة استيلا. سارة الجاك . نجاة إدريس. وغيرهن وحواء السودانية ما زال رحمها بكرا. وهذه الأرض الطيبة ما زالت تختزن في جوفها الكثير. وهنالك أسماء قادمة لا محالة
= مستقبل القاص ؛بيده وجودة ما يقدم وحنكته,أم بيد الناشر أم القارئ؟ أم بيد الرعاية التي تقدمها دولته.. وحكومته؟!
- أبدأ الاجابة من الآخر. الدولة يجب أن يكون لها الدور الأول والكبير لأنها تقع عليها رعاية المواهب في شتى المجالات منذ الصغر. يأتي ذلك بتعليم نوعي ذات جودة يهتم بالمناشط والهوايات ثم الرعاية بالتدريب وصقل الموهبة وفتح الفرص خارجيا وداخليا. ثم المساهمة في مواعين الحراك الثقافي ككل. بدءاً من المساهمة في خفض الضرائب المفروضة على الطباعة والورق والنشر بعض الدول تتبنى نشر الكتاب الأول من خلال مشروع مدرج بالموازنة اسمه كتابي الأول. هناك الكثير الذي يمكن أن تفعله الدولة اذا أرادت. أيضا الشركات العاملة في القطاع الخاص يجب ان يكون لها دور. قيمة العمل الفنية هي مسئولية الكاتب انما النشر والتوزيع تقوم به مؤسسات متخصصة في هذا الدور وهي في الغالب مؤسسات خاصة تهدف للربح لذا هناك كثير من الأعمال الجيدة كما سبق وقلت هي حبيسة الأدراج لعدم المقدرة المالية لأصحابها.
القارئ يهمه أن يخاطب العمل همومه ويغازل أحلامه ويشد طموحه ويبث في نفسه الوعي ويسكب في روحه النور اينما وجده سوف يقتطع من قوت اولاده ليحصل عليه ولكن في ظل الظروف الاقتصادية الطاحنة وغلاء الكتب قد يلجأ لأمرين إما ان يترك شغفه ويفقد الكثير أو يلجأ لأساليب أخرى للحصول على الكتاب من هنا تأتي القرصنة وما يترتب عليه من ضياع للحقوق. كل ذلك لو قامت الدولة بدورها والشركات بمسؤولياتها المجتمعية خير قيام لما كان له أن يحدث. ويبقى بالأخير صدق الكاتب وهو الذي يوصله للقارئ الحصيف المحب وهو الرصيد الحقيقي للكاتب المجد.
= التخصص والإبداع والكتابة ؟ما القاسم المشترك ؟؟
- كثيرا ما ورد هذا السؤال. من الناحية التقنية لا توجد علاقة. الإبداع هبة من عند الله سبحانه وتعالى يهبها لمن يشاء. التخصص والتعليم هو دراسة توفر سبل كسب العيش بيد أن الموهبة حين تصقل بالتعليم يكون لها بريق.
= كلمة ..
الشكر الجزيل لصحيفة( الإنتباهة ) وللأستاذة تيسير التي أتاحت لي هذه السانحة الطيبة لنطل على جمهور القراء. أهدي كل إنجاز حققته في حياتي لروح والدي يرحمهما الله ولأسرتي الكبيرة أخواني وأخواتي ولأسرتي الصغيرة د. بت الزين رفيقة الدرب وأبنائي وبناتي أيضا. شكري يمتد لكل من تعلمت منه شيئا نافعا في هذه الحياة. تمنياتي للوطن القارة السودان الكبير أن ينعم بالخير والسلام والنماء. ولشعبي الطيب الصابر الحرية والأمن والأمان. ولا تتوقفوا عن الأحلام أبدا.