الجمعة، 20 نيسان/أبريل 2018

board

إيضاح الحق في دخول الجني في الإنسي والرد على من أنكر ذلك

للشيخ الإمام ابن باز:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد: فقد حدثت هذه القصة لأحد المشايخ بعدما قرأ على المصابة وخاطب الجني وذكّره بالله ووعظه، وأخبره أن الظلم حرام وكبيرة عظيمة ودعاه إلى الإسلام لما أخبره الجني أنه كافر بوذي، ودعاه إلى الخروج منها، فاقتنع الجني بالدعوة وأعلن إسلامه عند الشيخ، ثم رغب الشيخ وأولياء المرأة أن يحضروا عندي بالمرأة حتى أسمع إعلان إسلام الجني، فحضروا عندي، فسألته عن أسباب دخوله فيها فأخبرني بالأسباب ونطق بلسان المرأة، لكنه كلام رجل وليس كلام امرأة، وهي في الكرسي الذي بجواري وأخوها وأختها وبعض المشايخ يشهدون ذلك ويسمعون كلام الجني، وقد أعلن إسلامه صريحاً وأخبر أنه هندي بوذي الديانة، فنصحته وأوصيته بتقوى الله، وأن يخرج من هذه المرأة ويبتعد عن ظلمها، فأجابني إلى ذلك، وقال: أنا مقتنع بالإسلام، وأوصيته أن يدعو قومه للإسلام بعدما هداه الله له، فوعد خيراً وغادر المرأة، وكان آخر كلمة قالها: السلام عليكم.
 ثم تكلمت المرأة بلسانها المعتاد وشعرت بسلامتها وراحتها من تعبه، ثم عادت إلي بعد شهر أو أكثر مع أخويها وخالها وأختها، وأخبرتني أنها في خير وعافية، وأنه لم يعد إليها والحمد لله، وسألتها عما كانت تشعر به حين وجوده بها فأجابت بأنها كانت تشعر بأفكار رديئة مخالفة للشرع وتشعر بميول إلى الدين البوذي والاطلاع على الكتب المؤلفة فيه، ثم بعدما سلمها الله منه زالت عنها هذه الأفكار ورجعت إلى حالها الأولى البعيدة من هذه الأفكار المنحرفة.
وقد بلغني عن بعض الناس أنه يمكن أن يكون كلاماً مسجلاً مع المرأة، ولم تكن نطقت بذلك. وقد طلبت الشريط الذي سجل فيه كلامه وعلمت منه ما ذكر، وقد عجبت كثيراً من تجويزهم أن يكون ذلك مسجلاً مع أني سألت الجني عدة أسئلة وأجاب عنها، فكيف يظن عاقل أن المسجل يسأل ويجيب؟ هذا من أقبح الغلط ومن تجويز الباطل، وزعم أيضاً في كلمته أن إسلام الجني على يد الإنسي يخالف قول الله تعالى في قصة سليمان: وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص:35] ولا شك أن هذا غلط منه أيضاً - هداه الله -وفهم باطل، فليس في إسلام الجني على يد الإنسي ما يخالف دعوة سليمان.
فقد أسلم جمع غفير من الجن على يد النبي ﷺ، وقد أوضح الله ذلك في سورة الأحقاف وسورة الجن، وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ أنه قال: إن الشيطان عرض لي فشد علي ليقطع الصلاة علي، فأمكنني الله منه فذعتّه، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه، فذكرت قول أخي سليمان-عليه السلام: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فرده الله خاسئاً، هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: إن عفريتاً من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة، وإن الله أمكنني منه فذعته فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون أو كلكم، ثم ذكرت قول أخي سليمان: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فرده الله خاسئاً 
وروى النسائي على شرط البخاري عن عائشة-رضي الله عنها-أن النبيﷺ: كان يصلي فأتاه الشيطان فأخذه فصرعه فخنقه، قال رسول الله ﷺ: حتى وجدت برد لسانه على يدي، ولولا دعوة سليمان لأصبح موثقاً حتى يراه الناس ورواه أحمد وأبو داؤود من حديث أبي سعيد وفيه:فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين، الإبهام والتي تليها.
وخرج البخاري في صحيحه تعليقاً مجزوماً به جـ 4 ص 487 من الفتح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: والله لأرفعنك إلى رسول اللهﷺ، قال: إني محتاج وعلي عيال، ولي حاجة شديدة، قال فخليت عنه، فأصبحت، فقال رسول اللهﷺ يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله ﷺ شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فعرفت أنه سيعود؛ لقول رسول اللهﷺ، فرصدته فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال ولا أعود، فرحمته فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول اللهﷺ: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة، قلت يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته وخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول اللهﷺ: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، زعم أن يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح-وكانوا أحرص شيء على الخير-فقال النبي ﷺ: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قال: لا قال: ذاك شيطان.
وقد أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان عن صفية-رضي الله عنها-أن النبي ﷺ قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. وروى الإمام أحمد -رحمه الله- في المسند جـ 4 ص 216 بإسناد صحيح أن عثمان بن أبي العاص -رضي الله عنه- قال: يا رسول الله، حال الشيطان بيني وبين صلاتي وبين قراءتي، قال: ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أنت حسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثاً، قال: ففعلت ذاك فأذهبه الله عز وجل عني.
كما ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أن كل إنسان معه قرين من الملائكة وقرين من الشياطين، حتى النبيﷺ، إلا أن الله أعانه عليه فأسلم، فلا يأمره إلا بخير، وقد دل كتاب الله عز وجل وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة على جواز دخول الجني بالإنسي وصرعه إياه، فكيف يجوز لمن ينتسب إلى العلم أن ينكر ذلك بغير علم ولا هدى؟! بل تقليداً لبعض أهل البدع المخالفين لأهل السنة والجماعة؟! فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.