الجمعة، 20 نيسان/أبريل 2018

board

الطموح استيلاء لا استجداء

د. وليد شريف عبد القادر
إنَّ هذا الشعر في الشعر ملك
سار ، فهو الشمس ، والدنيا فلك

عدل الرحمن فيما بيننا
فقضى باللفظ لي ، والحمد لك
فإذا مرَّ بأذني حاسد
صار ممن كان حياً فهلك
المتنبي القلادة التي زينت عنق الشعر العربي بنفائس الكلام وجواهر الحروف ، أذكى الأنوف بعطر لا ينفد وصدى لا يتبدد وذكرى تتجدد مدى الأيام ، الشاعر الذي أسس دولة الأفراد ، ويكفي أنه جعل المؤرخين ينادون في كثير من الأحيان بعصره ويقولون عصر المتنبي ، يقولون طموحه قتله ، ولكني أقول بل أحياه .. فهو لم يرضَ بقصة جل البشر (رجلُ ولد وعاش ومات) لأنه كان يؤمن يقيناً بأنه الرواية الخالدة التي تقول (رجلُ ولد وعاش ومات وترك أثراً) ألم يقل :
وتركك في الدنيا دوياً كأنما
تداول سمع المرء أنمله العشر
..الحياة (بلا طموح كجسد بلا روح) ، والحياة (بلا أهداف كقارب بلا مجداف) .. هي أقوالي عزيزي القارئ والتي أريد منك أن تتدثر بها وأنت تشهر لافتة (الحياة جميلة يجب أن تُعاش) فلا تركن للأمنيات المتواضعة والتي تفصح عن نفس أمرعت وأخصبت في بيئة هشة الإرادة ، تجاهد بجدع الأنف أن تظل بسلام ساذج تطفو علي سطح الحياة والتي ترفض السلام إلا لمن يجبرها عليه .. فقد انهزم الديناصور وهو الأقوى والأصلب عضلات في معركة تطور الحياة ، بينما عاش الإنسان بعضلاته الضعيفة ؛ لأنه يمتلك الإرادة الوثابة والتي تُغذيها دماء الأمنيات الطموحة غير المتواضعة ، ومما أعجبني في هذا السياق - ما أورده كاتب الأدب الإنساني الرفيع الأستاذ / كريم الشاذلي - موقف الإمام الكبير العز بن عبد السلام إمام المسجد الأموي بدمشق عندما قام الملك الصالح – ملك الشام – بعمل اتفاق مع الصليبيين ضد إخوانه المسلمين ، فقام الإمام العز بن عبد السلام وخطب في المسلمين خطبة هجا فيها هذا القرار وندد بالاستعانة بالصليبيين ضد إخوانهم المسلمين فسُجن الإمام ، ولما هاج الناس اعتراضاً على ذلك تم نفيه إلى مدينة (الكرك) فمكث فيها لفترة من الزمن، ثم قرر الرحيل بعد انقشاع الغُمة ، فقال له أمير الكرك – وكانت ولاية كبيرة – ابق معنا يا إمام وسنجعلك قاضي القضاة وسنجزل لك العطاء .
قال له الإمام كلمة في غاية الغرابة وذات دلالة وعمق بالغين قال : بلدك يا مولاي أصغر من علمي !
وجمع الإمام حاجياته وذهب إلى مصر ، فكان فيها سلطاناً للعلماء، وقاد حركة تجييش الشعب في حربه ضد التتار ، وكان قائداً لحركة شعبية كبيرة .
وفيلسوف الأدباء الأستاذ الكبير أحمد أمين يقول في ذات السياق: لأمر ما خلق الله الوجه في الأمام ولم يخلقه في الخلف ، وجعل العين تنظر إلى الأمام ولا تنظر إلى الخلف وأراد أن يجعل لنا عقلاً ينظر إلى الأمام وينظر إلى الخلف معاً ، وأن يكون نظره إلى الخلف وسيلة لحسن النظر إلى الأمام ، ولكن عكس قومٌ الفطرة الإنسانية ونظروا بعقولهم إلى الخلف وحده .
فهيا عزيزي القارئ نجعل من النظر إلى الخلف وسيلة لحسن النظر إلى الأمام ، وكن مثلي حينما تصيبني النكبات وتغشاني الأزمات، فأتذكر مرتعشاً قوله تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } واجعل نظرتك للطموح نظرة استيلاء لا استجداء أو كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي : 
وما نـيل الـمـطـالب بالتمنـي***ولـكـن تــؤخـذ الـدنـيا غلابـا
وما استعـصى على قومِ منالٌ***إذا الإقـدام كـــان لــهـم ركابا
وفي الختام وحتى الملتقى أعزائي القراء أسأل الله لكم اليقين الكامل بالجمال حتى يقيكم شر الابتذال في الأشياء .