الأربعاء، 24 أيار 2017

board

دار «الضو حجوج» للمسنين.. حكايات بطعم العلقم

تحقيق : منى النور
الدخول إلى دار الضو حجوج للمسنين ليس بالأمر السهل , فهناك ضوابط ولوائح صادرة من وزارة التنمية الاجتماعية التي تتبع لها الدار. فالتصوير ممنوع داخل الغرف ولا يحق للقائمين على أمرها الإدلاء بتصريحات إعلامية دون الرجوع إليهم,

لذلك عندما سنحت لي الفرصة بدعوة من منظمة خيرية اغتنمتها لمعايشة تفاصيل حياتهم عن قرب.  ملامح تكتسي بحزن عميق مصحوب بشرود في عوالم مجهولة, فالمشهد عموما تشوبه الكثير من التفاصيل الغامضة, وهو الغموض الذي لم تفلح معه الأيام والشهور والسنين أن تميط اللثام عنه.
مشاهدات
>  أحد المسنين والذي لم يكف منذ لحظة وصولنا الى الدار عن إصدار أصوات غير مفهومة وهو جالس على الأرض, يمد يده كأنه يسأل الناس , وقد علمت أنه أحضر بواسطة أمن المجتمع من ضمن المتسولين, ودلت ملامحه أنه من دولة مجاورة .
> وفي عنبر الحالات الحرجة الذي يقبع في نهاية الدار, تفوح منه روائح تكاد تعم كل الدار عكست بان مستوى النظافة ليست بالمستوى المنشود . لمحت بداخله مسناً يستلقي على "عنقريب"  منسوج بحبل دون " لحاف"  ووضع له حوض أسفل "العنقريب".
> وهناك مجموعة من المسنين من دول الجوار لم يجدوا غير الدار مأوى لهم. وعندما أشارت الساعة الى الرابعة عصراً لمحت أحدهم يرتدي بدلة ليشق طريقه للخارج كأنه على موعد مع شخصية مهمة, علمت بعدها أنه من دولة سوريا .
> وفي ركن قصي , جلس مسن تبدو ملامحه بأنه في بداية الثمانينات يحمل في يده كتاباً يتأمل من حوله تارة وتارة اخرى يعود لمتابعة قراءته, علمت بعده انه العم عبد الرحيم من مشاهير الدار خريج جامعة الخرطوم أكمل دراسته في أمريكا وعمل  بعدد من الجامعات.
قنوات الدخول
تستقبل دور الإيواء, النزلاء عبر ثلاث قنوات رئيسة هي شرطة أمن المجتمع ومديرو الرعاية الاجتماعية في الرئاسة والمحليات التابعة للولاية إضافة الى وجود عدد من اللوائح والضوابط تنظم عمل الدور ودخول المسنين للإقامة الدائمة, أولها وأهمها ألا يكون للمسن أسرة أو أقارب من الدرجة الأولى أي لا عائل له , كما تمنع اللائحة دخول المصابين بأمراض معدية أو مختلي العقل أو الأجانب من دخول الدور.
حماية قانونية
د. عمرو مصطفى الاختصاصي النفسي ومدير دار الضو حجوج السابق قال لـ «الإنتباهة» ان المسن يدخل للدار وفق شروط وبنود محددة, لذلك في حال العثور على أهله أو الوفاة يتم الاتصال بالشرطة لتأخذ البصمات وتصوير الجثمان وتحويله للمشرحة لمعرفة أسباب الوفاة لتخلي الدار مسؤوليتها من أية شبهة جنائية.
وقال هناك مسنون أبدوا انزعاجهم من التشريح فقمنا بأخذهم للمحكمة وتم منحهم إشعاراً قانونياً يكفل لهم ذلك الحق في عدم التشريح, وان تتولى الدار دفن الجثمان. مضيفا  أن العمل الاجتماعي يجب أن يحمى بالقانون, لافتا الى حالة مسن توفي وعند تشريحه كان هناك كسر في الجمجمة وتم استدعاء الإدارة للمحكمة ليتضح انه كان يعاني من التهاب بالأذن الوسطى قبل حضوره للدار بواسطة الشرطة, وتعرض للإغماء والسقوط عدة مرات ولم يكن كسر الجمجمة سبب الوفاة.  
وأكد د. عمرو أن المسن يلجأ للصمت في حالتين لعدم الوعي والإدراك أو لحجم المرارات التي عاشها في حياته. فهو لديه شعور دائم  بانه عالة على المجتمع مما يؤدي الى إصابته بالاكتئاب.  
وقال عمرو إن الأصوات التي تنادي بوجود دور خاصة يمكن لهذه الدور إحداث شرخ في المجتمع وتفككه, فهي مرفوضة حتى لو كانت بحجة توفر الرعاية الصحية والنفسية بها.
 مشيرا الى أن من الحالات الغريبة التي صادفته خلال عمله جمع شمل مسن بأهله بعد سبع سنوات, ولكنه توفي في اليوم الثاني مباشرة لجمع الشمل. وقال عمرو إن أغلب المسنين عند وصولهم للدار يعانون من القلق والتوتر والخوف والتوجس, لذلك يميلون خلال الأيام الاولى الى عدم الخوض معه في تفاصيل حياته الشخصية, بل نعمل على بث الإحساس بالأمان له, وقال من أكثر الأمراض التي يتعرض لها المسن الزهايمر والاكتئاب والفصام في الحالات التي لديها اصلا مشاكل نفسية.
وقال من الحالات العالقة بذهنه ايضا أن أحد النزلاء كان يعمل مديراً لمكتب أحد قادة مايو أبو القاسم هاشم , واستطاعت باحثة نفسية بالدار جمع شمله مع أولاده بدولة لبنان, وعند اكتمال إجراءاته للسفر توفي بالدار .
أجانب بالدار
مدير الدار علي الطيب محمد الدريري قال لـ «الإنتباهة»  إن الدار مؤسسة تتبع لوزارة التنمية الاجتماعية وبها وحدة صحية كاملة إضافة اليى العلاج النفسي والاجتماعي عبر الوحدة النفسية الموجودة داخل الدار , لافتا الى وجود أجانب في الدار من دولة جنوب السودان  دخلوا قبل الانفصال منذ التسعينات ومن مصر واثيوبيا وفقا   لشرط وضوابط بعدم قبولهم وأن يكون سوداني الجنسية كشرط اساس ولا يقل العمر عن "60"عاما وليست له صلة قرابة من الدرجة الأولى او الثانية والثالثة وخالياً من الأمراض المعدية ولم يتم اتهامه في جريمة تخل بالامانة والشرف ولا يكون مختلا عقليا .وحول اعتباره المسن مجهول هوية في حال الوفاة قال الطيب  هناك هاجس وسط بعض المسنين المدركين من تشريح الجثمان بعد الوفاة وهذا من حقهم لذلك نعمل على عمل إجراءات خلال حياتهم وكتابه وصيته بعدم تشريحه , لافتا أنه ليس الحل الأمثل وقال إن المسن منذ وصوله للدار نعتبر نحن أسرته طالما هو حي يرزق. لافتا الى ضرورة سن تشريع لمعالجة هذه المسألة في إطار القانون, فهم يدخلون الدار عبر أمن المجتمع والوزارة والمصحات النفسية عبر مكاتبات. وقال شارحاً عند وفاة المسن يتم إخطار الشرطة لتولي أمره, مؤكداً انه يعد مجهول هوية للتأكد من ان الوفاة تمت طبيعية ليتم وضعه في المشرحة حتى انقضاء الفترة القانونية .مضيفآ أن عدد المسنين يبلغ "44" نزيل"8" حالات خاصة. مضيفا ان عدداً من المسنين بالدار عملوا في خدمة  شخصية بارزة وانقطعت صلته بأهلهم ولم يجدوا من يعولهم . مؤكدا على أن الميزانيات كافية والوزارة تقوم بدورها على أكمل وجه , بجانب دعم الجهات الخيرية. وقال الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أسهمت في إفراز الكثير من الظواهر, مشدداً على فتح الباب لدور الخاصة لأنها يمكن ان تسهم في تمزيق النسيج الاجتماعي, مؤكداً انها يمكن أن تشهد اقبالا كبيرا عليها , فواقع الحياة يؤكد أن تجد من يحضر والده للدار باعتبار أنك يمكنه دفع مقابل .
تخوف الوزارة
وزارة التنمية الاجتماعية ولاية الخرطوم التي تتبع لها الدار , قال مديرها العام محمد محمد صالح لـ" الإنتباهه" حسب اللوائح لا يفترض قبول أجانب بالدور ولكنها  حالات موجودة منذ التسعينات ونتيجة للحروبات الأخيرة في دول الجوار معظمهم كانوا في الشوارع أو يقطنون في مناطق صناعية . وحول اعتبار المسن مجهول هوية عند الوفاة, قال إن التخوف يكمن في ظهور أهل المتوفي لذلك تحوطاً يتم التعامل مع الجثمان عبر بوابة الشرطة التي يدخل عبرها أصلا كما نحرص على حضور مراسم الدفن فنحن نعد أسرته .كذلك نسعى لعقد شراكة مع السجل المدني للتعرف على أقاربه عبر تلك البوابة.
وقال لدينا وحدة مسئولة عن لم الشمل استطاعت جمع شمل  عدد كبير منهم بالولايات والعاصمة , بل نعمل على دعم الأسرة إذا كانت من ذوي الدخل المحدود .