الأربعاء، 20 أيلول/سبتمبر 2017

board

الأطفال فاقدو السند..من ظلمة الملاجئ إلى جحيم التبني

منى النور
- قبل ثلاثة عشر عاماً أطلقت وزارة التنمية الاجتماعية  برنامج الرعاية الاسرية البديلة بغرض فتح باب الكفالة لتبني الأطفال فاقدي السند الأبوي, ووضعت مقابل ذلك مبالغ مالية لتشجيع الأسر ذات الدخل المحدود

حتىي لا تشكل الإمكانيات المادية عائقاً أمام التجربة الشيء الذي شجع الكثير من الأسر لدخول التجربة,  إلا أن النتائج كانت على غير المتوقع حيث ظهرت الكثير من الإفرازات السالبة داخل الاسر المتبنية  التي وصلت حد الإهمال الذي قاد الى الموت ..مشروع الكفالة القصد منه القضاء أو التقليل  من هذه الشريحة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ..هل يمكن أن تسهم الكفالة في تجفيف دار المايقوما في ظل ظهور بعض الجهات العاملة في ذات القضية بوجه مختلف عبر الكفالة بالرضاعة ؟ وماهو رأي الدين فيها ؟؟ العديد من التساؤلات طرحتها «الإنتباهة» على أهل الشأن والاختصاص حول هذه القضية  الاجتماعية الحساسة ..
حكايات مؤلمة
قصص وحكايات مؤلمة كان أبطالها أسر طرقت أبواب الرعاية الأسرية من باب تحسين الدخل والمشاركة في الدور الملائكي لهؤلاء الأطفال بواسطة برنامج الرعاية الأسرية البديلة .حيث لم يكن يدري الطفل"س"  وهو يشق طريقه لخارج دار رعاية الطفل اليتيم "المايقوما" أن تكتب نهاية حياته التي لم تتجاوز مرحلة الطفولة على يد الأسرة التي كانت تمثل طوق نجاة من نظرة المجتمع التي تعتبر أطفال الدار وصمة عار ، بفقده الاهتمام المنشود ومات غرقا في "بلاعة " نتيجة إهمال واضح وعدم الرعاية التي التزمت الأسرة بتقديمها له, وآخر لم يجد مكانه وسط الأسرة التي طالما استحوذ الأشقاء داخلها على قلب الأم التي جعلته "غريباً" عنهم, ففضحها صوته الذي تعالى ببكائه يسأل عن ملاذ في ليالي شتوية وهو ملقى في العراء. وأولئك الأطفال الذين استغلتهم بعض الاسر البديلة في العمل بالرغم من أن قانون حماية الطفل يحرم ذلك وبعاقب عليه . والعديد من الأمثلة التي  تشابه تلك الوقائع .
شريحة ضعيفة
أول محطاتاتنا كانت مع المجلس القومي للطفولة بصفته الجهة الراعية للمبادرة للوقوف على هذه القضية ,والذي وضع  الإطار القانوني لبرنامج الرعاية الأسرية البديلة عبر السياسة الوطنية لرعاية وحماية الأطفال فاقدي الرعاية الأبوية مستنداً إلى  المرجعية الدستورية والإسلامية وقانون الطفل. وقالت امين أمانة الحماية الاجتماعية بمجلس الطفولة أميرة ازهري لـ"الإنتباهة"  إن حماية الطفل فاقد الرعاية الأبوية من الأولويات الوطنية وهي مسئولية مشتركة بين العديد من الآليات تستهدف حماية هذه الشريحة من كل أشكال العنف أو الضرر او الإساءة البدنية او المعنوية او الوصمة المجتمعية او الإهمال والتقصير الذي يؤدي الى الإساءة في المعاملة او الاستغلال . لافتة الى أنه اصبح امرا واقعيا ولابد من التعامل معه بشفافية ومعالجة قضاياهم بصورة تليق بهم كأطفال ,مضيفة انهم أطلقوا عدداً من الحملات بهدف زيادة الكفالة لمساهمتها الواضحة في تخفيف الضغط على دار المايقوما. وقالت ان هذه المبادرة بدأت بدراسة في عام 2003 وبناءً على المخرجات تم تصميم مجموعة من الأنشطة تحت إشراف وزارة التنمية الاجتماعية وبشراكة عدد من المنظمات الوطنية استنادا الى المرجعية الدستورية وقانون الطفل وعدد من القوانين الوطنية.  مؤكدة على أن حملة نكفلهم الأخيرة هي  بنهج جديد , فهي كفالة تتسم بالدعم والحماية والرعاية في آن واحد, بجانب أنها تهدف للمساهمة في زيادة حالات الدمج الأسري وزيادة عدد الأسر الكافلة والعمل على تجفيف المايقوما والعفة لمنع الظاهرة وإزالة الوصمة .
عوائق مادية
 عدد من ممثلي وزارة التنمية الاجتماعية بالمحليات, ارتفعت أصواتهم بالشكوى من تدني النثرية المصدقة لهم كباحثين للإشراف ومتابعة الأطفال فاقدي السند داخل الأسرة الكافلة لهم. وقالت فاطمة عبد الله من محلية ام درمان إن ضعف النثرية المصدقة للباحث الاجتماعي تمثل تحديا حقيقيا لهم لمتابعة الأطفال التي تتم في العادة بواسطة باحثين اجتماعيين في شكل زيارة دورية لمتابعة حالة الطفل, مشيرة الى تزايد أعداد الاسر الراغبة في الكفالة واتساع رقعة المحلية لثماني قرى جعل الحركة أكثر صعوبة لتغطية الأسر الكافلة كفالة مؤقتة اضافة الى ضعف المبلغ المالي المقدم للاسر يقدر بـ"250 -300"  جنيه شهريا خاصة أن الأسر اصلاً وضعها المادي ضعيف وتعتبر الكفالة مصدر رزق لها الشيء الذي أسهم في ظهور بعض الإفرازات السالبة من عدم الاهتمام والقصور في التعليم  خاصة مرحلة ما قبل المدرسة مما حرم الكثيرين  من هذه المرحلة التعليمية الهامة التي يبنى عليها السلم التعليمي.  وقالت كما لا تزال النظرة التقليدية من المجتمع للأطفال فاقدي السند تقف امام نظام الكفالة , مؤكدة على انه في حال تم اكتشاف استغلال اي طفل من الأسرة من خلال العمل أو خلافه  او من محيطه الذي يعيش فيه فإنه ينزع من الأسرة .
الكفالة بالإرضاع
جمعية الوداد الخيرية لفاقدي الرعاية الأبوية واحدة من الجمعيات التي انتهجت نهجا جديدا للكفالة عبر الكفالة بالإرضاع وهو نهج  جديد باستحداث آليات وأسلوب شرعي يعتمد على القرابة بالرضاعة مبني على ضرورة تمتع الطفل بحقوقه الشرعية التي ضمنها الإسلام أولها حقه في الحياة الكريمة، حيث تستقبل دار الحضانة المؤقتة الطفل من عمر لا يتجاوز الستة شهور من وزارة التنمية الاجتماعية تكون إقامته مؤقتة ولفترة قصيرة الى ان يتم كفالته بشرط الإرضاع وفق معايير وضوابط معتمدة , كما تقوم الجمعية بإسناد كفالة الأطفال لأسر عبر الاحتضان الخارجي بشرط الإرضاع حيث تقوم الأم الراغبة في الاحتضان بإرضاع الطفل خلال ثلاثة الى خمسة أيام وبحضور شهود على أن تكون خمس رضعات مشبعات وبعدها يتم التسليم للأسرة تسليما نهائيا بعد استكمال الإرضاع واستيفاء جميع الإجراءات النظامية والمعايير والضوابط المنصوص عليها في وثيقة الاتفاقية , كما توفر الجمعية للطفل الحق في النفقة والتربية والتعليم والعلاج وحقه في إصدار شهادة الميلاد وتسجيله في السجل المدني وذلك بنص القانون السوداني .
تجفيف الدار
ولمعرفة الدور المناط بالرعاية الأسرية "الإنتباهة" جلست مع مدير الوحدة الفنية لنظام الرعاية الاسرية البديلة بوزارة التنمية الاجتماعية الولائية وفاء عبد الله ابو سن, التي أكدت على أن نظام الرعاية الأسرية البديلة تم تأسيسه في 2004 بالشراكة مع عدد من الجهات الرسمية والمنظمات بهدف دمج الأطفال في المجتمع والوقاية من إنجاب أطفال خارج إطار الزواج بغرض تجفيف دار المايقوما , ويعمل البرنامج في خمسة محاور منها  نظام الوقاية من إنجاب أطفال خارج إطار الزواج الشرعي عبر التوعية المجتمعية ومحورالكفالة المؤقتة وهي عبارة عن أسر بديلة مؤقتة يتم التعاقد معها عبر الوزارة بمرتبات لاحتضان الاأطفال, لافتة الى أن الوضع الطبيعي لهم داخل الاسر. وقالت إن وجودهم داخل الدور يقود الى تأثرهم بمشاكل عديدة خلال تواجدهم في المؤسسات من تأخر في النطق والنمو وفقدهم للكثير من المهارات والسلوكيات المجتمعية. مؤكدة على أن الدمج الأسري يتم للأطفال داخل اسرهم الحقيقية من خلال التقصي والتحقيق بعد العثور على الطفل بواسطة الجهات الامنية, مشيرة الى قيامهم بمعالجات نفسية واجتماعية لقبول لطفل  داخل اسرته.  وقالت ابو سن ان الكفالة الدائمة تتم عبر تدابير مختلفة من ضمنها إخبار الطفل بالحقيقة لان إخفاء الحقيقة تصبح خصماً عليه وعلى اسرته واستمرارية الحضانة لافتة الى امكانية حدوث مشاكل في حال وجود ميراث وغيره.  وأكدت وفاء بان التوعية المجتمعية أسهمت في تقليل أعداد الأطفال الذين كانت تنهش الكلاب أجسادهم ويأكلهم النمل .
نزع الطفل
وحول عدد الباحثين العاملين في النظام, قالت هناك حوالي "80" باحثاً يعملون في نظام الرعاية  لمراقبتهم ومتابعتهم. مضيفه بانه تم الدمج المجتمعي لأكثر من "8"  آلاف طفل, وسعيهم لتشريع قانون عن الكفالة يتوقع أن يرى النور قريبا حتى  يتم العمل وفق اللوائح.  ومن العوائق والتحديات  التي تواجه البرنامج قالت إن الصرف المالي غير كافٍ برغم قيام الدولة والمنظمات التي تقوم بدورها على أكمل وجه, لافتة الى أن عدد الاطفال الذين تمت كفالتهم  داخل وخارج البلاد  اكثر من "8" آلاف طفل "2" ألف منهم خارج البلاد تتم متابعتهم عبر السفارات والقنصليات. مؤكدة على وجود مشاكل في الكفالة , وقالت هناك بعض الاسر تتنازل عن الطفل المكفول بسبب وفاة الكافل وتغيير الواقع الاجتماعي من تفرق الابناء وعدم تفرغ الاسرة للطفل او ظهور حالات إعاقة بين الأطفال المكفولين لخصوصية وحساسية وضعهم الصحي من مرحلة الحمل الى بيئة الولادة غير الصحية ومحاولات الإجهاض المتكررة, مؤكدة على انه في حال الإبلاغ عن حالات إهمال او الاساءة تقوم الوحدة الفنية بنزع الطفل من الأسرة الكافلة ومقاضاة الأم الكافلة .
رأي الدين
وكان لابد من استصحاب رأي الدين أو الشرع حول كفالة الإرضاع ومعرفة الفتوى فيها. فقد أصدر مجمع الفقه الاسلامي فتوى شرعية في ذلك, حيث قال الشيخ  ابراهيم احمد الضرير : يعرف الفقه الإسلامي الطفل مجهول الوالدين باللقيط, وعليه فانه أحق بالكفالة من غيره اذا توافرت فيه شروط الكفالة, لقوله "ص" من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به"  واعتبر مجمع الفقه الإسلامي الأطفال فاقدي السند هم الفئة الاكثر يتماً والأكثر حاجة للرعاية وأن الأم أحق بحضانة الطفل ولو كان ناتجاً بطريقة غير شرعية. فالطفل المجهول أولى بالرعاية وأحق بالعطف . كما أجاز مجمع الفقه الاسلامي إرضاع مجهول الوالدين بفتوة شرعية فعند الحنفية والمالكية فالرضاع الذي يحرم يكون بالقليل والكثير ولو مرة واحدة فاذا تحققت هذه الشروط في من رضع فان المرأة المرضعة متزوجة كانت أو مطلقة او بغير زوج بكر أم ثيب صغيرة أو كبيرة ام هرمة ما دام تغذي الرضيع من لبنها الذي خرج من ثديها باية وسيلة كانت, فهي والدته من الرضاعة وإن كانت ذات زوج فان زوجها هو أب من الرضاعة لمن أرضعته. والقاعدة تقول "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"  فالشابة التي لم تتزوج وأرضعت طفلاً في الحولين فهي أم للرضيع من الرضاعة .