السبت، 23 أيلول/سبتمبر 2017

board

بروفيسور عوض السيد موسى عوض السيد لـ (نجوع):

حوار : رحاب محمد عثمان
لم يكن صعبًا محاورته أو اللقاء به، فهو موجود في كل مكان بالجامعة، ولكن الأصعب أن تنتحي به جانباً ليتحدث في شأن خارج المحاضرات والطلاب والدراسة، أن يمنحك وقتاً للحديث عن سيرته ومسيرته في الحياة ..

تحس بالوفاء والولاء في نبرات صوته، وانحيازه لهذا الصرح التعليمي، يعرفه طلابه وزملاؤه، ويبدو كأنه جزء من هذه الجامعة أو لبنة من لبناتها، ولا غرو فقد جاءها طالبا حدث السن، ثم أستاذا، ثم عميدا، وعندما واتته الفرصة تجرجر أذيالها للهجرة، لم يستطع عنها فراقا، وعاد سريعا إليها في تجربة مثيرة من تجارب الاغتراب، ليكون ابن سرحتها الذي غنى بها. هو البروفيسور عوض السيد موسى عوض السيد أستاذ البلاغة بجامعة النيلين، انتزعته من بين زحمة طلابه ومهامه ورسائله ليجيب على محاورنا، في حوار الشخصية والموضوع:
> ملامح من الميلاد والسيرة... النشأة والدراسة؟
< السيرة الذاتية هي كتابة الشخص عن نفسه بنفسه وبدأت، في كتابتها في جريدة رابطة أبناء المنطقة والتي كنت أرأس تحريرها, هربت فيها إلى الطفولة ومراتع الصبا في تلك القرية الوادعة التي تقع على ضفاف النيل محلية المتمة الوحدة الإدارية شمال المتمة قرية الشيطاب، وحيث جئت الى الدنيا في منتصف النصف الثاني من العقد الخامس من القرن العشرين, ولم اتخط فيها مرحلة الطفولة ومدرسة كلي الأولية حاولت فيها البوح بما استطعت من تلك الأيام الجميلة .. هذه بعض من ملامح سيرة وفق المصطلح الأدبي ، أما الترجمة الذاتية فأنا عوض السيد موسى عوض السيد تاريخ الميلاد الخميس اليتيم من شهر رمضان عام1379 هـ, كما كان مسجلا في أحد دفاتر والدي من خطاب أرسله ابن عمتي محمد البدوي الفضل لوالدي .. أما سيرتي العلمية فقد قضيت أربع سنوات بالمدرسة الأولية، ونحن آخر دفعة امتحنت من رابعة أولية للمدارس الوسطى، وأدركنا السلم التعليمي ونحن في السنة الثانية بمدرسة كلي الوسطى فكانت أن سميت سادسة وقضينا في المدرسة الوسطى خمس سنوات، ثم جئت الى مدينة أم درمان ومدرسة المؤتمر الثانوية، وجامعة القاهرة فرع الخرطوم قسم اللغة العربية الذي تخرجت فيه في1981م، وعملت معلما بمدرسة بحري الثانوية والخرطوم وابتعثت للتحضير لدرجة الماجستير بجامعة أم درمان الإسلامية ومعهد اللغة العربية للناطقين بغيرها فاخترت جامعة أم درمان على الرغم من دولارات المعهد التي كانت تعطى للمبعوثين فيه، اتجهت للدراسات الأدبية ثم البلاغة والتعبير على يد أستاذنا دفع الله الأمين يوسف، وكان موضوعي أبو علي الحاتمي ناقدا، ثم منهج المدرسة الأدبية في البلاغة.
> تدرجت من معلم بالمرحلة الثانوية إلى أستاذ جامعي، وأستاذ مشارك، يحدوك طموح وثاب حتى تسنمت ذرى كلية الآداب .. من أبرز معلميك الذين وضعوا بصماتهم عليك، وأبرز من وضعت بصماتك عليهم؟
< الذي حبب إلي العربية منذ الطفولة أستاذي محمد طه محمد أحمد، وعمر جلال بمدرسة كلي الأولية وأكمل حلقتهما في الفرقة الرابعة : خالي فتح الله إبراهيم حاج احمد، وفي المرحلة الوسطى الأستاذ الريح عطا المنان وعلي أرقاوي وأبو عبيدة موسى ، وفي المرحلة الثانوية أخونا وأستاذنا محمد زين، والشاعر الكبير عبد الله الشيخ البشير وكنت معه في مدرسة المشاة التي يقدم فيها محاضرات للمدارس الثانوية وكليات المعلمين والمعلمات، ويوسف الخليفة الزمزمي، وفي الدراسة الجامعية أخذت البلاغة عن أستاذنا فتحي أحمد عامر، وعلم اللغة على يد رمضان عبد التواب وحسن عباس صبحي والطاهر محمد علي البشير، كما كان لأستاذنا عبد الفتاح الشطي أثر بالغ لأنه كان الأقرب إلينا في العمر، هؤلاء هم الذين بذروا في حب العربية، فالرحمة لمن مات منهم والدعوات الصالحات لمن كان منهم على قيد الحياة .
> أنت ثاني اثنين من الذين تخصصوا في فن البلاغة، هل ترى تجليات هذا العلم فيما تقرأ وتطالع من مؤلفات ودراسات معاصرة ؟.. وهل ما زال بعض الكتاب المعاصرين يؤلف ويكتب بالبلاغة الكلاسيكية، أم ظهرت علوم بلاغية معاصرة تتماشى وتساير روح العصر؟
< أنا لم أقل أنني ثاني اثنين، ولكن من تخصصوا في الدرس البلاغي قلة هاجر منهم من هاجر، وأقعد تقدم السن من أقعد، وهناك شباب قادم ..الجامعات العربية تقوم دراسة البلاغة فيها على النمط المدرسي الذي أنشاه السكاكي في مفتاح العلوم (المعاني، البيان ، البديع) ، وتحاول أن تخرج من هذا الجلباب لتتزيا ببعض مناهج الحداثة التي يمثلها د. محمد العمري البحيري، ومحمد مفتاح، وطه عبد الرحمن في روح الحداثة وحمادي حمود، ومدرسة البلاغة في المشرق العربي التي يمثلها شيخ البلاغة العربية كما يحلو لتلامذته أن يسموه د. محمد محمد أبو موسى، فتقرأ البلاغة العربية وفق الدرس الكلاسيكي والدرس الحداثي . وفي محاولتنا للخروج بقسم اللغة العربية من إبط كلية الآداب ليصير جناحا في مدرسة اللغات، نحاول أن نبني منهجا متميزا في قسم البلاغة ونقسمه إلى شعب، نبني شعبا للقسم هي شعب: البلاغة المدرسية (مدرسة السكاكي) ، البلاغة الجديدة والتي تنهج بمنهج المدرسة المغاربية، وشعبة بلاغة السرديات وكذلك في قسم النحو وقسم اللغويات، واتجاه لإنشاء قسم للناطقين بغيرها ثم تطوير قسم الدراسات الأدبية بإدخال مواد الكتابة القصصية والمسرحية وتقدمها، وهذا التوجه حتى نخرج بكلية اللغة العربية الحداثية التي تدرس التراث الموصول بروح الحداثة، وتخرج أجيالا من الباحثين يأخذون من الثقافة العالمية ويهضمونها، ويستخدمون ما يفيد منها في قراءة التراث بطرح الاسئلة الجديدة عليه، بالاستفادة من مناهج الحداثيين : هذا المنهج الذي يسمح لنا بقراءة تراثنا قراءة جديدة وهذا الجيل هو الذي نصبوا ليحمل عنا عبء الرسالة اللغوية، لذلك كثيرا ما أجد نفسي أني أحمل طلابي فوق طاقتهم، فطلاب الدراسات العليا لم نعدهم في مرحلة الطلب الأولي الإعداد الكافي، ثم نأتي في مرحلة الطلب العليا نحمل عليهم مما يصل الى درجة القساوة .
> قال أحد الكتاب الصحافيين - وهو أستاذ جامعي أيضا - إن حملة الدكتوراه في السودان يتفوقون على مثلهم بأمريكا، واستنكر ذلك مع ضآلة وسائل البحث العلمي، ونمط الحياة وضغوط العيش التي تصادم روح البحث، ويبدو البعض في ناظري غثاء كغثاء السيل، كيف تنظر لهذا الأمر؟
< مؤكد أن ذلك غير صحيح، وأن هذه الحملة تستهدف ثورة التعليم العالي التي لا يعرف فضلها إلا القليل، ويأتي استهدافها من قبل عداوة النظام .
> رفضت إغراء المال، وأوليت ظهرك لدول (البترودولار)غير نادم وعدت للسودان في تجربة فريدة من تجارب هجرة لم تكتمل فصولها .. حدثنا عنها؟
< حقيقة إن وضع الأستاذ الجامعي مزرٍ ويعيش على الكفاف، وأحيانا لا يصل إلى هذه المرحلة (الكفاف)، والعرض في سوق العمل العربي مغر جدا، والفارق كبير، وعلى رغمه هناك من لا يناسبه الاغتراب. لا أرى أن هناك عداوة بيني وبين الدولار والريال، ولكن ما وفرته لي الأسرة وتوفره حتى الآن جعلني في وضع مريح مادياً، أختار طريقي الذي أحب بعيداً عما يحققه لي من مال.
> إسهام الأستاذ الجامعي بجامعة النيلين في الحياة الثقافية السودانية علامة استفهام؟
< أعتقد أن هناك مساهمة كبيرة من زملائي في الجامعة بكلياتها المختلفة، والمساهمة الأكبر في كلية تنمية المجتمع، والتي تقدم مساهمات كبيرة في المجتمع، خاصة في مجال تنمية المرأة، ونحاول النهوض بقطاع الشباب، فتقدمنا بمشروع لوزارة الشباب للتعاون بيننا لتنمية قدرات الشباب في الألعاب الرياضية والمسرح والموسيقى، لكن بطء الإجراءات وانتظار التعديلات الوزارية أسهمت في عدم رد الوزراء عليها.
> طالب الأمس وطالب اليوم، ما الذي يرجح كفة أحدهما على الآخر؟
< طالب الأمس الأكثر مثابرة وصبرا على طلب العلم، لأن صوارفه عنه كانت قليلة: الكورة في أزمان محددة، والسينما أيضا، طالب اليوم توفرت له أسباب اللهو، والإنصراف عن الحياة الجادة، لكن بالمقابل أصبحت ملايين الصفحات في الهواء مما وفر عليه الزمن والراحة، فيمكنه التحصيل وهو على فراشه، ولا يحتاج الذهاب إلى المكتبة متى ما توفر له جهاز حديث.
> لديك كتابان في البلاغة لم يريا النور، وليس ذلك لضيق ذات اليد.. أم أنك قنعت بثقافة المشافهة : شفاه وآذان؟
< التأليف صعب جداً في عصر التكنلوجيا، والصفحات على الهواء، ويحتاج إلى تؤدة ودراسات معمقة حتى تستطيع أن تنشر، قوة المنافسة والانتشار دافع للتجويد.
> خلال دراستي للغة العربية وتجولي بين المكتبات لم يصادفني إلا كتاب واحد يؤرخ لعصور الأدب العربي للدكتور حسن بشير صديق – وأرجو تصحيحي إن أخطأت –هل ما زلنا نستقي علومنا ومعارفنا، ونحن طلاب لغة عربية من شعوب أخرى ومصادر غير سودانية؟
< الدكتور حسن بشير، ألف أكثر من كتاب، كلها موجودة في الدار السودانية للكتب، قامت بطبعها، وقد سبقه أستاذ الأجيال بروفيسورعبد الله الطيب، ومؤلفات في المرشد، ومؤلفات أخرى، وأستاذي محمد عثمان علي ألف أدب ما قبل الإسلام وفي الأدب الإسلامي، وحقق كتاب الحماسة، ولكن الغربة وقصر المدة التي قضاها معنا في قسم اللغة العربية، وعاجلته المنية قبل أن يكمل مشروعه في التأليف الأدبي.
> كنت وما زلت مشرفاً على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه طوال عملك بالجامعة، وجلها رسائل ذات قيمة علمية وأدبية كبيرة .. لكنها تظل حبيسة أضابير الجامعة، ألم يأن لهذه الرسائل والأطروحات بالخروج والنشر؟
< أبنائي الباحثون في مرحلتي درجة التخصص الأولى (الماجستير) ، والتخصص العليا (الدكتوراه) قدموا رسائل متميزة في تخصصاتهم، وسنزيل عنها الغبار هي وغيرها من الرسائل الجامعية الموصى عليها من اللجان بالنشر.
> ما لا يعرفه الطلاب ومحيطك عن د. عوض السيد من هوايات واهتمامات؟
< الوجه الآخر لأستاذكم : الالتزام الصادق بمبادئ الحركة الإسلامية، وحمل أعباء الدعوة إلى الله منذ سبعينيات القرن الماضي .. وأنا طالب بالمرحلة الوسطى، حيث كان أخي عمر ملتزماً في حركة الإخوان المسلمين، وقبل أن أصل إلى مرحلة التكليف، حملني على أداء الشعائر وجلدني على الصلاة، وحفظني في العطلات بعض سور القرآن وأحكام فقهية، مما جعلني أحمل شيئاً من التدين، وعندما اشتدت الحرب على الحركة وغياب رموزها في سجون مايو، هاجرت إلى التصوف، وفي المرحلة الوسطى كنت معجباً بشخصيات ممن سبقونا في الدراسة المهندس نورالدين السر عبد الله، وما زلت أذكر رداءه أسفل الركبة، وأخونا عبدالمنعم محمد صالح، فكانا إلى جانب نفحة التدين يمثل رمزاً للمتدين الشاب وقتها، وفي الثانوية التقيت الأخ عباس أحمد العبيد، وأخونا عز الدين الجريف الذي كان يخصني ببعض كتيبات الإمام الشهيد حسن البنا (إلى أي شيء ندعو الناس؟) ، ورسالتنا في طور جديد، ورسالة المؤتمر الخامس في غلافها الأزرق الجميل .