الأربعاء، 17 كانون2/يناير 2018

board

أحــوال السـاســـة .. موســم الهجـــرة والإيـــــاب

ندى محمد أحمد
لزمان طويل يحسب بعدد سنوات الإنقاذ التي شهدت أطول فترة حكم في السودان منذ الاستقلال, ظلت المعارضة بشقيها المدني والمسلح متخندقة في أحزابها ورابضة خلف سلاحها، ولكن يبدو ان عوامل التعرية التي تجرف التربة أو التصحر الذي يضرب الأراضي الخصبة ليس قصراً على الطبيعة وحدها,

فها هي قوى المعارضة قد لحقها الجدب والفقر السياسي بصوته القاسي، مما جعلها تتشظى في جانب من الجوانب ليتساقط الساسة عن أحزابهم كما أوراق الشجر في فصل الشتاء ..
في يوم الخميس الماضي, تناثرت دعوة للصحفيين باسم القيادي في حزب الاتحادي الديمقراطي الأصل والمتخصص في القانون الدولي بخاري الجعلي, لحضور مؤتمر صحفي في مكتبه بوسط الخرطوم دون أن يفصح عن موضوعه ، وإن كانت التوقعات طارت سلفا بانه سيتقدم باستقالته من حزبه ، ولكن فيما يبدو أن الإحباط الذي اعترى الجعلي, كان أكبر من الظنون والاستقالة نفسها ، فقد أخبر عن زهده في تقديم الاستقالة ، فالاستقالة تقدم لكيان موجود وفي تقديره (لا يوجد كيان حتى أتقدم له باستقالتي)، واكتفى بالإعلان عن عدم ارتباطه بحزبه بقوله لم أعد منتميا تنظيميا للحزب من هذه اللحظة، واتجاهه للعمل العام كشخصية قومية، وفي تفسيره لقراره الذي وصفه بالمؤلم، قال ان الحزب يمر بحالة موت سريري منذ مغادرة رئيسه مولانا محمد عثمان الميرغني للبلاد في سبمتبر 2013 ، وقال انه أعلن مغادرته على النحو متحاشياً مواجهة الميرغني بإرادته تلك على نحو مباشر، بالرغم من الدعوة التي قدمها له نجل الميرغني جعفر الصادق لزيارة الميرغني في القاهرة، وفي اعترافات طابعها الحزن العميق قال الجعلي: لقد ضيعت سنوات عمري في هذا الحزب ولن أعود إليه ثانية ، ولفت إلى ان المجموعة التي وصفها بالمثقفة
وتملك إمكانيات مالية نشطت داخل الحزب للإصلاح لكنها جوبهت بإساءات بالغة وأوصدت الأبواب أمامها .
وغير بعيد عن ذلك, فالغريم التقليدي للاتحادي متمثلا في حزب الأمة, لا تختلف أوضاعه كثيرا ، فهاهو رئيس حزب الأمة القومي سابقا ونائب رئيس الجبهة الثورية نصر الدين الهادي الذي غادر حزبه منذ سبع سنوات لينضم للثورية التي مرت بتقلبات متباينة منذ تكوينها في نوفمبر 2014، إلى أن طالتها جائحة الانشقاق في 2016 جراء الخلاف حول كرسي الرئاسة في الجبهة بين حركات دارفور والحركة الشعبية قطاع الشمال ، لتصبح فصيلين أحدهما بقيادة وعضوية حركات دارفور الرئيسة الثلاث (العدل والمساواة وتحرير السودان بجناحيها ) ، والثاني بقيادة قطاع الشمال المقرب إليه مالك عقار .
ولكن جرثومة الانشقاق عادت لتضرب بقوة في تنظيم قطاع الشمال الذي انفجر في يونيو الماضي مشكلا كيانين جديدين قطاع الشمال بقيادة عقار وياسر عرمان، وفي الاتجاه المقابل يقف الكيان الثاني بقيادة عبد العزيز الحلو الذي يحتكم على جيش الحركة الشيء الذي جرد مجموعة عقار من موارد القوة العسكرية تلك التي تقود الحرب ويؤهلها لصناعة السلام عبر التفاوض مع الحكومة التي تجلس لمن يحمل السلاح .
في ظل هذا الواقع المأزوم, انتشر الأسبوع الماضي خبر عودة الهادي بالجمعة الفائتة، وفي حديثه مع الزميلة (المجهر السياسي ) فسر الهادي عودته بالعبارة التونسية الشهيرة( لقد هرمنا)، فخروجه من البلاد كان وفق معطيات محددة ، وان الأوضاع تستدعي إعادة قراءة تلك المعطيات والبقاء مع الأهل حياة ومماتاً كما قال، ولم يشأ الهادي الإفصاح عن تقييمه لسنواته السبع التي أمضاها في رفقة الثورية، عما إذا كانت سنواته تلك سبعاً عجافاً أم سماناً .
وفي نوفمبر الماضي, كانت ولاية الجزيرة موعودة بقانون الطوارئ الذي أعلنه رئيس الجمهورية إثر الخلافات الكبيرة بين مجلسها التشريعي الذي حله الرئيس بموجب الطوارئ وبين واليها محمد طاهر إيلا، وبحل التشريعي تداعى الكثير من نواب المؤتمر الوطني وعضويته للانضمام تحت لواء ميثاق أهل الجزيرة نصرة لولاياتهم المنكوبة بواليها وفقاً لأحاديثهم المنشورة في الصحف، وقد لوحوا في خبر أوردته (الإنتباهة) مؤخرا, أنهم لن يتورعوا عن الانسلاخ من الحزب ومغادرته إذا لم يستمع المركز لمطالبهم .
وفي الأسبوع الأخير من ديسمبر الماضي, استقال من المجلس الوطني عضو المؤتمر الوطني الطاهر دفع الله عن دائرة الدندر بولاية سنار شفاهة في إحدى الجلسات، احتجاجا على عدم عدالة توزيع الموارد ومشاريع التنمية في الموازنة العامة ، نظراً لخلو مشروع الموازنة من أي مشاريع تخدم محليته التي تفتقر للكثير من المشاريع الحيوية -وفقاً له.
وفي نهاية مايو 2017 , عاد للبلاد اثنان من المؤسسين لحركة العدل والمساواة وهما أبوبكر حامد نور وسليمان جاموس، منحازين لطاولة الحوار الوطني, وفي إطار مبادرة سلام عبر الرئيس التشادي إدريس ديبي .
قطار سنوات الإنقاذ الطويل الذي وحدت المعارضة المسلحة والمدنية, أفرز بمرور الزمن والعجز عن الفعل الإيجابي عن تآكل تلك الأجسام وانسلاخ قادتها وعضويتها عنها رويداً رويداً ، وذات القطار الذي وحد الإسلاميين لدرجة بذل الأرواح في الحروب, أصابه العطب وتكلست مقطوراته فأخذت في الانفصال بدءًا من الرأس (مفاصلة 1999 ) ، وتالياً أخذت مقطوراته تتداعى عن بعضها البعض كما في خروج مجموعة الإصلاح بقيادة غازي صلاح الدين العتباني، لتصل البلاد إلى مفترق طرق إما حلول فاصلة تنقل البلاد إلى بر السلام أو تغرق في متاهة الفوضى الخلاقة على غرار دول الربيع العربي.