السبت، 24 شباط/فبراير 2018

board

سد النهضة..وبتر مصر

> صفاء علي منصور
ظلت العلاقات السودانية المصرية لاكثر من ثلاثين عاماً ذات طبيعة متوترة مشدودة... تَبرُز فيها تصعيدات سياسية خطيرة... واستفزازات إعلامية عنيفة ... وبث التلفزيون المصري شعائر صلاة الجمعة الأخيرة عام 2017 من منطقة حلايب وشلاتين المتنازع حولها....

وأذاع التلفزيون صوراً ولقاءات على الهواء مباشرة ... في خطوة اعتبرها مراقبون سياسة الامر الواقع... مما جعل العلاقة بين السودان ومصر تمر بتعرجات كثيرة... حيث ظلت لمصر على الدوام أطماعها التوسعية في السودان بتدخلها المباشر في الشأن السوداني... بدءاً بانتخابات الحكم الذّاتي عام 1953م إلى ما بعد الاستقلال... وعندما تمت لها إعادة استعمار السودان بالاشتراك مع بريطانيا.. قامت برسم حدودها بما يسمح لها بابتلاع الإقليم النوبي الذي يحتد بأسوان... وهو ما ظلت عليه الحدود عبر التاريخ.... كما ظلت مصر تنظر إلى السودان على أنه ينبغي أن يكون تابعاً لها بنفس عقلية فرنسا الاستعمارية إزاء الجزائر... ويعتبر مثلث حلايب على البحر الأحمر وشلاتين أنموذجاً لمخططات مصر التوسعية والاحتلالية إزاء السودان... وتصاعدت حدة التوتر بين القاهرة والخرطوم على خلفية خطاب تقدم به السودان للأمم المتحدة في الآونة الأخيرة يعترض فيه على اتفاقية تعيين الحدود البحرية التي وقعتها مصر والسعودية العام الماضي، والتي أوقعت مدينتي حلايب وشلاتين داخل حدود مصر، بينما يعدها السودان ضمن أراضيها.
تحكيم بحري
وزاد السودان من تصعيده بعد الهجمة الإعلامية التي تعرض لها من قبل أجهزة الإعلام المصرية... حيث طلب السودان من مصر اختيار طريق التفاوض أو التحكيم الدولي، الامر الذي رفضته مصر... مما جعل السودان يلجأ إلى التحكيم البحري، وأودع السودان في مارس من العام الماضي خطوط أساس للمناطق البحرية لدى الأمم المتحدة، فسارعت مصر الايام الماضية بإيداع اعتراض لدى الأمم المتحدة على خطوط الأساس للمناطق البحرية التي اودعها السودان.
مطالب شعبية
بلغت حدة التوتر أخيراً درجة انطلاق مطالبات شعبية وتنظيمية بالغاء اتفاقية الحريات الاربع بين البلدين... حيث جاءت تلك الدعوات والغضب الشعبي بعد الممارسات والتصرفات من الجارة بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان للسودان التي اعتبرها مصريون زيارة للتخطيط ضد الدولة المصرية .. حيث تحركت العديد من الفعاليات الشعبية بتوقيعات مطالبة بالغاء اتفاقية الحريات الاربع وتقديمها للبرلمان لعدم استفادة المواطن السوداني منها.. وبحسب الاشارات فإن السوادنيين حتى الآن يعانون من تعقيد الاجراءات للحصول على الاقامة بعد انتهاء مدة الستة اشهر الاولى من الدخول، بينما التزم السودان بالاتفاقية نصاً وتطبيقاً.. مشيرين الى افراز الاتفاقية عدداً من السلبيات منها تطبيق الغرامة على السودانيين عند تسوية اقامتهم اسوة بالرعايا الاجانب.. بالاضافة الى ان السلطات المصرية تحد من تحرك السودانيين داخل مصر وتفرض عليهم الحصول على التصريح من المخابرات المصرية، كالقبض على المنقبين عن الذهب بدعوى دخولهم متسللين، ومازال بعضهم في السجون مع مصادرة ممتلكاتهم واطلاق النار على بعضهم.
ملفات شائكة
لم يكن طلب مصر الذي رفضته اثيوبيا خلال الايام الماضية باستبعاد السودان من مفاوضات سد النهضة مفأجاة للسودان الذي اعتاد على كل ما هو غير ممكن من القاهرة.. فبينما طالب وزير الخارجية المصري سامح شكري صراحة بطرف ثالث هو صندوق النقد الدولي، جاءت التسريبات بدفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي برسالة الى حكومة اثيوبيا دعا فيها الى أن يكون التفاوض حول سد النهضة بين القاهرة واديس ابابا، وهو مقترح ليس مستبعداً من مصر، فقد ظلت منذ فترة غير قليلة تطلب من السودان أن يكون في صفها ناسية ان السودان هو طرف اصيل في تلك المفاوضات.. وللحقيقة ان السودان ظل يدعم مصر في ملف المياه، حيث رفض التوقيع على اتفاقية عنتبي تضامناً مع مصر، كما انه سمح منذ 1959م بأن تستخدم مصر جزءاً من حصته في مياه النيل، فضلاً عن تهجيره مدينة كاملة وعدداً من القرى لاجل بناء مصر السد العالي، وكل هذه التنازلات والمواقف لم تشفع للسودان. واكدت العديد من المصادر المهتمة بملف مفاوضات سد النهضة الاثيوبي ان اثيوبيا ابلغت السودان بأن مصر لم تعترض على بناء السد وانما الاعتراض على استهلاك حصة السودان في مياه النيل، وقال ان مصر استهلاكها فاق 76 مليار متر مكعب والاتفاقية تعطيها 55,5 ملبار متر مكعب، وتريد ان تبقي السودان في استهلاكه الحالي 13 مليار متر مكعب بدلا من 18,500 مليار متر مكعب .... وقال مركز (ستراتفور) الأمريكي الخاص بالتحليلات الاستراتيجية إن مصر ستضطر للعودة إلى طاولة المفاوضات مع إثيوبيا، لأنه بمجرد بناء سد النهضة يجب تنسيق عمليات ملء خزان السد مع إثيوبيا. وأوضح المركز في تقرير عن مستقبل نهر النيل في ضوء بناء سد النهضة الإثيوبي بعنوان (مصر تستعد لفقدان السيطرة على نهر النيل) أنه خلال العقد الماضي تحول ميزان القوى في سياسة نهر النيل لصالح دول المنبع، التي بدأت في تحدي نفوذ مصر على موارد النهر، وأشار إلى أن مصر ستواصل الحفاظ على اللهجة العدوانية ضد إثيوبيا في محاولة لإجبارها على الاستسلام لمطالب القاهرة، ولكن في النهاية سيتم اتمام بناء السد، وأكد التقرير أن بناء السد أصبح أمراً واقعاً، فيما تفقد القاهرة ميزة التفاوض، وقال إن قدرة إثيوبيا على تقديم تنازلات لمصر أصبحت محدودة، ولفت إلى أن القاهرة تقدمت بشكوى إلى شركائها في الجامعة العربية وإلى البنك الدولي ولكن دون جدوى، بسبب اتساق إثيوبيا في رسالتها بأن الري ليس جزءاً رئيساً من خطة السد، وقال التقرير إنه من المرجح أن تجبر مصر على العودة إلى طاولة المفاوضات عاجلاً وليس آجلاً، وأضاف أن انحسار الخيارات أمام القاهرة وتراجع قدرتها على التوحد مع السودان ضد دول المنبع واستمرار بناء السد، يظهر عدم جدوى تكتيكات القاهرة القديمة، وأن دول المنبع تكتسب النفوذ في سياسات مياه حوض النيل. وأكد التقرير أنه مع تزايد عدد سكان مصر فإن تحديات إدارة إمدادات المياه لن تكون أسهل في العقود القادمة، مشيراً إلى أن مستوى العجز المائي في مصر أقل من العديد من الدول في الشرق الأوسط، ولكن أي انخفاض في معدلات وصول مياه النهر، حتى ولو لفترة قصيرة، من شأنه أن يزيد من التوتر بسرعة نهر النيل الازرق كله بالسودان، فكيف تتفق على مياه نهر لا يمر عبرها الا بعد ان يغير اسمه، فهل يتم الاتفاق على نهر النيل الذي يتكون من الازرق والأبيض، وهذا ما تفصله اتفاقية عنتبي التي تعارضها مصر، والاتفاق لا يتم مع اثيوبيا وانما مع دول حوض النيل، ومن العجب ان السودان عضو فيها، فكيف يتم تخطيه، ام ان الاتفاقية على نهر النيل الازرق الذي تمثله دول حوض النيل الشرقي ومصر مجمدة لانشطة الحوض, وللعجب ايضاً ان السودان عضو في النيل الشرقي ورئيس دورته الحالية... واشار خبراء الى حقائق حول سد النهضة الاثيوبي تخشاها مصر.. تتمثل في خطوة تخزين للمياه ستؤدي إلى تأثيرات سلبية على حصتها من مياه النيل، وتدمير مساحات من الأراضي الزراعية لديها، فضلاً عن عدم توفير مياه شرب كافية لسكانها الذين يتجاوز عددهم 100 مليون نسمة، ويعانون بالفعل من نقص في الموارد المائية... وفي المقابل، تقول إثيوبيا إن السد ضرورة لتطوير البلاد، وتؤكد أن للسد منافع لجميع الدول بما فيها دولتا المصب مصر والسودان.